التناص القرآني في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ٣ناصر جابر (شبانه)
1081
سابق، ونص لاحق، بينهما علاقة خاصة قد تبدأ بالمس الرفيق وتنتهي بالتمازج الكلي حتى يبدو الفصل بينهما أمراً في غاية الصعوبة.
وبالتناص تمسي القصيدة ليست" كتابة بل إعادة كتابة حمودة، 2003، 201)، وبهذا المفهوم يمسي كل نص يمثل نوعاً من التناص "لأن النص الجديد يقوم بهضم النصوص التي سبقته وتمثلها وتحويلها" (الأسدي، 2000، 14).
إن القائلين بهذا الرأي ينفون أن يكون أي نص نتاجاً خالصاً للشاعر، أو أن تكون لغته نقية تماماً من أثر لغة الآخرين، لأنها - أي اللغة - هي نتاج تعالق وتواشج مع لغات الآخرين وخبراتهم وثقافتهم، فثمة دائماً "لغة" وراء اللغة" (قطوس، 2002، 128)، وهو ما يحيل إلى القول "كم من الكتاب ما كتبوا إلا لأنهم "قرأوا المديني، 1989، 60)، ومن شأن هذه الآراء أن تقلل من هيمنة الشاعر على إبداعه ليظهر نصه الأدبي على أنه مجموعة من القطع المركبة المسلوبة من نتاج الآخرين وخبراتهم، وهو ما يعيد إلى مفهوم السرقة الأدبية الذي قال به البلاغيون العرب أو أشكال بلاغية أخرى ظهرت في نتاجهم النقدي.
وإذا كان النتاج النقدي "تشترك فيه جميع قوى الشاعر العقلية والنفسية والثقافية"؛ فإن هذه القوى مستعارة من خبرات الآخرين وثقافتهم " (الدليمي، 1990، 83)، وليست نتاج الشاعر نفسه الذي يقوم فقط بإعادة إنتاجها وترتيبها في نسق ما.
وليس من مهام الشاعر بإزاء ذلك أن يعيد معاني الشعراء الآخرين أو يجتر تراكيبهم، بل عليه "أن يحدث في تلك المعاني والأبنية إضافاته وتحويراته الخاصة ليجعل منها جزءاً من رؤياه الشخصية إزاء الكون والشعر والحياة، وعنصراً من عناصر نبرته وأسلوبه" (العلاق، 2002، 65. فالقارئ لا يعنيه في نهاية المطاف إلا أن يعاين نظاماً جماليا يلبي رغبته
وتعطشه للجمال.
وعلى الرغم من أن التناص اكتشاف نقدي غربي، غير أن ذلك لا يعني أن التراث النقدي العربي كان في غفلة عنه، أو لم يفطن إليه، فقد وقع تحت مسميات عديدة، فمنه ما سمي "توارد الخواطر"، ومنه التوليد والإبداع بمعنى إعادة البناء السابق والتفوق عليه، ومنه التضمين والاقتباس والسرقة الأدبية (الأسدي، 2000، 18).
وتتعدد أشكال التناص في النص الأدبي، حتى ليتخطى فكرة الاقتباس، ويتفوق عليها، فإذا كان الأول يعني اقتطاع النص السابق والزج به في النص اللاحق دون أن يتفاعل مع جزيئاته أو يتحد معها؛ فإن التناص يسعى إلى إنشاء علاقة ما بين النصين فريدة وحميمة قد تبدأ بالإشارة العابرة اللاواعية، وتنتهي عند إحاطة القارئ بمناخ دلالي يدفع به نحو قراءة تأويلية تقوم على التفكيك وإعادة البناء " خليل، 2006، 163).
ولعل تقنية القناع التي سادت في النصوص الأدبية أو ما يسمى "بالرمز الشخصي" العلاق، (1990، 85) تبدو من أهم أشكال التناص، حين يختفي الشاعر خلف شخصية أخرى سابقة ليقول على لسانها ما يريد دون إبراز "أناه" في النص بطريقة مباشرة، ليبدو وكأنه مبرأ
مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية)، المجلد 21 (4)، 2007