التناص القرآني في الشعر العماني الحديث مجهول

التناص القرآني في الشعر العماني

الجزء ١ · صفحة ٥

ناصر جابر (شبانه)

1083

إن من شأن التناص أن يسعى إلى تخصيب النصوص الجزائري، 2000) وتلقيحها بثقافات ورموز وإشارات تنتشلها من حومة السطحية والغنائية، لتبدو قادرة على التحليق بقارئها إلى آفاق من العمق والجدة وذكاء التأويل.

كما أن من أهم مزاياه أنه يسعى إلى "كسر أفق التوقع عند القارئ" (الغذامي، 1994، 164)، فذلك القارئ الذي اعتاد على أن تقدم له الدلالات الجاهزة، وكان قادراً على التنبؤ باتجاهات الرؤية وسيرورتها، بات عليه أن يبذل جهداً مضاعفاً للوصول إلى الدلالات من خلال الربط بين نصين متباعدين ظاهرياً، وليكتشف فيما بعد أنه لم يكن صادقاً في توقعاته وتنبؤاته، وهو ما يحقق لحظة الإدهاش، تلك اللحظة الممتعة النابعة من اكتشاف الحقيقة في الجانب الآخر بعيداً عن توقعات القارئ وهواجسه.

إن التناص قادر على أن ينقل القارئ كذلك من مأزق العاطفة المتأججة التي تشتعل فيه عند قراءة النص الشعري، ثم سرعان ما تنطفئ، إلى أفق من الفكر المتأمل العميق الذي يلازمه زمناً طويلاً إنه يساعده في كبح ذلك "الانفعال الكاذب" كما يرى إحسان عباس (عباس، 1992، 207). لتبدو التضحية بالمؤقت والطارئ في سبيل الدائم أمراً مشروعاً. وبهذا يمسي التناص "محاولة شجاعة يبتعد فيها الشاعر عن ذاته، ليمنح القصيدة طابعاً لا شخصياً، ويذهب بها بعيداً للحيلولة دون سقوطها تحت هيمنة عواطفه المباشرة ومشاعره التلقائية" (العلاق، 1997،

(105

التناص وعملية التلقي

إن تقنية التناص أسهمت في خلق ذلك القارئ الفاعل بدلاً من ذلك القارئ البليد الذي يتلقى الدلالات الجاهزة دون أن يخرج عن دوره التقليدي المقتصر على الوصول إلى المناطق التي يريده الشاعر أن يصل إليها، وهو ما جعل القارئ الجديد ينتقل إلى دور جديد قائم على مقاسمة الشاعر صلاحياته في إعادة إنتاج النص وخلق دلالاته بدلاً من الوقوف عند حدود اكتشافها. فعلى هذا القارئ أن يلجأ إلى التأويل الذي يكمن في توليد لغة ما بالاحتكاك مع لغة أخرى

لكي تكون نوعاً من اللغة الفوقية المضافة إلى لغة "العمل" (دي) مان، 1991، 114). ومن خلال هذا الدور الجديد يمسي المسؤول الأول عن وجود التناص وجوداً متحققاً لا وجوداً نظرياً في النص الشعري هو القارئ، فلا وجود له إلا بإدراكه، وكلما زادت ثقافة القارئ واتساع مداركه ونشاط ذاكرته، كان النص المقروء أكثر اشتباكاً مع نصوص أخرى سابقة أو بنى أو أنساق لغوية، إذ إن قارئاً بلا ذاكرة لن يغدو بمقدوره أن يدرك التناص في قصيدة ما، لأنها ستكون في نظره القصيدة البكر التي لا تتكئ ولا تتعالق مع أي نص آخر، ومن هنا كان اشتجار النصوص وتعالقها يتطلب قارئاً بمواصفات خاصة، وذاكرة مكتنزة، واستعداداً للإحالة ما بين النص المقروء والنصوص البعيدة من أجل استحضارها وحين يتفوق القارئ على مشاعره في ميزان القوة الثقافي؛ فإنه سيكون ليس قادراً فحسب على اكتشاف "التناص"، وإنما على خلقه، وسيكون فعله آنذاك مدعاة للدهشة حتى عند الشاعر نفسه.

مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية، المجلد 21 (4)، 2007