التناص القرآني في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ٦1084
"التناص القرآني في الشعر العُماني الحديث"
وأحب أن أذكر بحقيقة مهمة، فقد قدم النقاد تصنيفات كثيرة للتناص، فتحدث بعضهم عن التناص الواعي والتناص غير الواعي، وكذلك التناص القائم على التحقيق وغيره القائم على الخرق، وتناص التضاد وتناص التناقض الأسدي، 2000، (18)، لكنهم في كل ذلك لم يفطنوا إلى التصنيف الأهم المرتبط بالبعد الجمالي والتقييم الكلي للنص، وهو ما يدعوني إلى التمييز بين ضربين من التناص هما التناص الجيد والتناص الرديء.
إن هذا التصنيف هو الأقرب لطبيعة العملية النقدية بوصفها تقييمية للنصوص، وتوجيهية للشاعر والقارئ على السواء، أما أن ينظر إلى التناص على أنه مزية من مزايا النص مهما تكن طريقة توظيفه، فهذا ما يؤدي إلى إلغاء المفاضلة بين الشعراء، ويجعلهم كلهم جيشاً من الجهابذة الذين لا يشق لهم غبار.
تجليات التناص القرآني في الشعر العُماني الحديث
لا يخلو الشعر العُماني الحديث - شأنه شأن مثيله في البلاد العربية - من توظيف التناص بوصفه إحدى تقنيات القصيدة الحديثة، غير أنه ينبغي أن نفرق بين ضربين من الشعر العماني: الأول هو شعر الرواد الذي نحا فيه الشعراء منحى القصيدة التقليدية من حيث شكل القصيدة وبناؤها وإيقاعاتها وما صاحبها من تقنيات فنية، ويقف على رأس هذا التيار أبو مسلم البهلاني ومرشد الخصيبي وذياب العامري وأبو سرور وسواهم، والثاني هو شعر الجيل الجديد الذي خرج على إطار القصيدة التقليدية، وواكب شعر التفعيلة ثم قصيدة النثر، ولديه حظ لا بأس به من الاطلاع على مذاهب الشعر الحداثي الغربي، ويمثله سيف الرحم وسعيد الفارسي وهلال الحجري وهلال العامري وغيرهم.
وإذا كان الضرب الأول يحتفي بالقصيدة العمودية حتى لا يكاد يخرج عليها أو يشذ عنها؛ فإن الضرب الثاني نبذها وراء ظهره، واتخذ من قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر شكله الأثير. ولست بصدد المفاضلة بين أشكال القصيدة، لأن ذلك لا يعنيني في شيء، كما أن الشكل ليس هو الذي يحدد نجاح القصيدة أو مدى قربها من الحداثة، فلربما نجد قصيدة لأبي العلاء المعري أكثر حداثة - بمفهوم الحداثة غير الزمني - من كثير من قصائد الشعر الحديث. ونظراً لصعوبة حصر مواقع التناص في الضربين من هذا الشعر؛ فقد اقتصرت هذه الدراسة على التناص القرآني، محاولة أن تتتبع بعض نماذجه ومواقعه وطريقة توظيفه في النص. وأول ما يلفت في توظيف التناص القرآني في الشعر العماني الحديث أن الشعراء الذين اختاروا أن يقدموا النموذج التقليدي الذي ينتمي إلى مدرسة الإحياء والتراث التي قادها، سامي البارودي في مصر وظفوا التناص في قصيدتهم بطريقة بدائية هي نفسها طريقة القدماء في توظيف بعض الأشكال البلاغية كالتضمين والاقتباس، ولم يخرجوا على ذلك، وخير مثال على ذلك ما نجده في ديوان أبي مسلم البهلاني من توظيف لآيات قرآنية على سبيل الاستشهاد والإحالة وإظهار الثقافة الدينية. يقول:
محمود
مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية)، المجلد 21 (4)، 2007