التناص القرآني في الشعر العماني الحديث مجهول

التناص القرآني في الشعر العماني

الجزء ١ · صفحة ٩

ناصر جابر (شبانه)

1087

وعلى الرغم من أن هذه الإشارات التناصية تنبئ بنشاط ثقافي في ذاكرة الشاعر ينعكس على نصه؛ غير أنه لا يشكل حالة تناصية متكاملة أو مسترسلة، بمقدار ما هو إيماءة خفية تظهر

ثم تختفي.

ومما يُلتفت إليه في مثل هذه السياقات أن روي القصيدة التي ينهض الشاعر ببنائها هي التي تفرض عليه سياقات قرآنية معينة يستجلبها تشابه الفاصلة القرآنية والروي، وليس غريباً عندئذ أن يغلب على الإشارة التناصية السمت الإيقاعي، فتقع في منطقة الروي أو قريباً منه. يقول محمد الشرياني:

أطيف أم خيال من ينادي فإني لم أر بشراً سويا

فحار العقل واندهشت قواه ومن أهواهمو خروا بكيا (معجم البابطين، ج 3، 340). إن إيقاع القصيدة ورويها بالخصوص هو الذي استدعى سياقات قرآنية تنتهي بفاصلة قرآنية شبيهة بحركة الروي، والآيتان هما قال تعالى: (فأرسلنا) لها روحنا فتمثل لها بشراً سويا)

(مريم، 17)، وقوله تعالى: (إذا) تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا) (مريم، 58).

لا بد للقارئ بالطبع من أن يمر عبر السياق القرآني للوصول إلى الدلالة النصية، لا أن يبقى متعلقاً بالنص القرآني دون أن يفطن إلى أنه مرآة تنعكس عليها أشعة الدلالة النصية للإشارة إلى الواقع.

إن الاستعانة بالنص القرآني في البناء الشعري، لا يعني عند هؤلاء أكثر من توكيد الدلالة الشعرية للوصول إلى المعنى المركز، وهو ما يقابله الاستشهاد في النثر، لكنه في الشعر أكثر تركيزاً وكثافة، وفيه تصرف، ولو طفيف، بالنص القرآني ليتساوق والنص الشعري. يقول عبد

الله السيابي:

ولا يغني التحصن في بروج مشيدة ولا يغني العويل (معجم البابطين، ج 3، 367) إن النص الشعري يتبنى بالكامل دلالة النص القرآني، ويجعلها مؤكدة للدلالة الشعرية،

وهذه الآية هي: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) (النساء، 78). ولا يخفى أن هذا الضرب من التناص هو أقرب إلى التماس الرفيق بين النصين، فليس ثمة تشبع كامل أو تداخل أو تماه، بما يفضي إلى مشهد مكتمل قائم على التناص.

وفي المقابل فإن شعراء الحداثة في عُمان، وعلى رأسهم سيف الرحبي، كان لهم طريقة مختلفة في توظيف التناص في نصوصهم، بالنظر إلى طبيعة هذه النصوص القائمة على التكثيف والاختزال، والحلم والايحاء، والاتكاء على الوعي أحياناً واللاوعي أحياناً أخرى، وهو ما يجعل الكشف عن البنى النصية المتداخلة يحتاج إلى جهد مضاعف وقارئ لماح.

يقول سيف الرحبي في قصيدة بعنوان "دعاء":

"يا إلهي أزحها قليلاً عن كاهلي

مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية)، المجلد 21 (4)، 2007