تحقيق شرح القصيدة الحائية للشيخ محمد بن يوسف المصعبي على منظومة أبي نصر الملوشائي (من الصفحة 34 إلى الصفحة 65) المنذري، سعيد بن عبد الله بن محمد

تحقيق شرح القصيدة الحائية للشيخ أبي نصر الملوشائي ص 34 إلى ص 65

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

عابر سبيل، أي لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها، وطنا، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها ولا تتعلق

منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، فهو حث على احتقار الدنيا والفراغ عنها والزهد فيها، ولا يأخذ منها إلا مقدار الضرورة المعينة على الآخرة، فإن عابر السبيل وهو المسافر ليس له أرب إلا فيما يعينه على سفره ونقوله إلى بلده واجتماعه بأهله فلا يتخذ في بعض المراحل دارًا ولا مسكنا ولا بستانًا ولا حمامًا لعلمه بقلة إقامته في سفره وأنه لو أمكنه الطيران لطار، فهو لا يُعرج على غير ما يكون سببًا لرحيله ومعينا على سفره ووصوله إلى وطنه، كذلك الإنسان إنما وجد في الدنيا ليمتحن بالطاعة والمعصية ليكون مثابًا أو معاقبًا، بدليل قوله تعالى:

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7]، وفي

ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما

يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا منها إلى أكثر مما يبلغه إلى المحل، فحينئذ فهو كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسله

سيده فيه ثم يعود إلى وطنه، ولا يتعلق بشيء غير ما أرسله سيده فيه.

ولهذا أوصى النبي للجماعة من الصحابة أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب،

وقيل لمحمد بن واسع (1): «كيف أصبحت؟» قال: «مَا ظَنُّكَ بِرَجُلٍ يَرْتَحِلُ إِلَى الْآخِرَةِ كُلَّ يَوْمٍ

(?) محمد بن واسع بن جابر الأزدي، أبو بكر (ت: 123هـ / 741م: فقيه، ورع من الزهاد. من أهل البصرة. عرض عليه قضاؤها، فأبى. وهو من ثقات أهل الحديث. انظر: الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، ج?، ص???.

(??)