السيرة الزكية للمرأة الإباضية لبدرية الشقصية
الجزء ١ · صفحة ٥٣ومر ذات يوم العالم المحدث الفقيه بشر بن غانم الخراساني (بقطرس) البلد التي يسكنها عمروس وأخته يحمل معه مدونته. واستقبله عمروس استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم، وعندما أراد الرحيل ترك المدونة وديعة عند القاضي الأمين عمروس حتى يعود.. لم يخطر للقاضي أن يستأذن المؤلف في استنساخها حين ذاك، ولكنه فكر في نفسه، ورأى أنه إذا لم يغتنم هذه الفرصة فإن هذه الثروة العلمية سوف تفلت من يديه، واستعد للعمل، أحضرت له أخته كل ما يحتاج إليه من ورق وقلم ومداد، وكانت تملي عليه وهو يكتب في فناء الدار حتى إذا وصلتهما الشمس تحولا إلى الظل، ولم يمض عليهما وقت طويل حتى أتما نسخها، ورجع صاحب الوديعة (بشر بن غانم) يطلب وديعته فأرجعها إليه عمروس، ولكن بشراً كان يتوقع هذا العلم من عمروس، ولذلك عندما تصفحها ظهرت له آثار النقل في قطرات المداد واستعمال الصحائف، فقال لعمروس وهو يبتسم: (لقد سرقتها) فأجاب القاضي – وهو جذلان-: (سمني سارق العلم) وفي إثر هذا كان ما كان من تلف المدونة في تيهرت غصبا وحرقا، ولولا حرص عمروس وأخته على نسخ هذه المدونة لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمدون عليه.
والعلم يكون فائدته بقدر ما يفيد صاحبه، فليس العلم النافع شحن الدماغ بالمعلومات بدون أن يكون لها أثر في حياة الإنسان، بل العلم النافع هو الذي يجد فيه حلاً لمشكلاته ونفعاً في دنياه وآخرته، فعندما ذهب عمروس إلى الجهاد وكانت وقعة (مانو) رافقته أخته إليها، واستشهد أخوها، وقتل أكثر الجيش، أخذت أسيرة مع بعض زميلاتها فخافت الفساد؛ فقالت لزميلاتها: (أما وقد وقعنا أسيرات ولا قدرة لنا على الخلاص من أيدي هؤلاء الوحوش فلنستخلف كل واحدة منكن من يزوجها بمن يريد بها سوءا) وهكذا حتى في أسوء الأحوال ينجدها العلم والدين.
فهذه المرأة العاملة سيظل التاريخ يذكرها، ولن ينسى فضلها في حفظ مدونة العالم الجليل بشر الخراساني.
** ** **