الانحراف الأسلوبي في شعر أبي مسلم البهلاني
الجزء ١ · صفحة ٢١مجلة جامعة دمشق - المجلد -19 - العدد (43) 2003
أحمد على محمد
فقد عيب عليه، كما يذكر الآمدي، قوله: " لا تسقني ماء الملام" فجعل للملا ماء ليقابل بين ماء وماء، وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة" وقد نفى الآمدي العيب الذي ألحق بكلام أبي تمام ملتمساً نظائره في أقوال القدماء كذي الرمة فـ قوله: 27 (مكرر)
أداراً بحزوى هجت للعين عبرةً
فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وكان أبو مسلم البهلاني ركب أسلوب المجاز في شواهد لا تنحصر في شعره، وعمد إلى التركيز على مفردات بعينها أجراها مجرى المجاز اللغوي كما هو الشأن في قصيدته "النهروانية" حين يذكر
.28
عهوداً على عين الرقيب اختلستها ذوت روضةً منها وجف غدير
فإذا كانت مجمل المفردات في هذا الشاهد يمكن أن تخضع لعملية الاستبدال، بمعنى أنها مختارة من مجموعات لفظية حلّ المذكور منها محل المعزول، إلا أنّ قوله: (اختلستها) فيه عدول مجازي عن الأصل لا يمكن رده إلى الاستبدال؛ لأنّ نسبة اختلاس النظر انحراف عن النمط التركيبي الأصيل للغة. فالاختلاس وفق ما وضع له في الأصل المعجمي يعني "الاستلاب"، والشاعر هنا عدل عن هذا المعني فخرج به عن الأصل، وإذا كان استخدام) الاختلاس) بمعنى النظر ليس من ابتداع أبي مسلم، إلا أنّه تحول إلى سمة أسلوبية لمجرد ترجيحه المجاز على الحقيقة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ التركيب الذي صبّ فيه البهلاني المجاز حمل بصمة شخصية بوصفه مقروناً بكلمة (عهوداً) فنجمت دلالة إضافية بعودة الضمير في (اختلستها) إلى (عهوداً) فصارت العهود من كثرة تأمل الشاعر لتفصيلاتها بمقام النظر الذي يسترقه بين حين وآخر.
28 البهلاني (ديوانه) ط وزارة التراث 1987 م ص: 7.
71