دراسة نقدية في مسند الإمام الربيع
الجزء ١ · صفحة ١١مسند الربيع بن حبيب الإباضي - دراسة نقدية / د. سعد بن عبدالله حميد
257
دعوته، وإنما كانت سرية دعوته متمثلة في لقائه بالمدعوّين، وتبيين الإسلام
لهم.
فمثل هذا الرجل الذي وصل إلى درجة الإمامة في المذهب، والعمل الدؤوب في نشره لا يمكن أن يكون بهذا الخفاء بحيث يعزُّ على كتب التواريخ والأدب والتراجم ذكره، وقد ذكرت من هو أقل شأنا منه بكثير!
ويدفع الإباضية هذه الاعتراضات بالتذمر من ظلم الولاة الذي ألجأ أئمتهم
هؤلاء وغيرهم إلى التواري وإلا خضدت شوكة الإباضية (35).
وهذا غير مُسَلَّم، فما ذكروه عن تواري أئمتهم مدفوع بالآتي:
1) قد يتوارى الرجل ويختفي إما بشخصه، أو بما يحمله من فكر، لكن لا يصل الأمر إلى درجة جهالته البَتَّةَ، إلا أن يكون مسلوب الإمامة، عاميًّا كعامة الناس الذين ليس لهم من صفات البروز والظهور ما يستدعي ذكرهم في كتب التراجم
والسير.
وكثيرًا ما يكون التواري مدعاة للشهرة لا للجهالة فهناك عدد من المتوارين عن الحكام الذين يطاردونهم للظفر بهم والانتقام منهم إما بسبب كلمة حق قالوها، أو غير ذلك؛ جمعهم الإمام عبد الغني بن سعيد الأزدي في كتابه المشهور: المتوارين (36)؛ كالحسن البصري، وسفيان الثوري وغيرهما رحمهم الله، إلا أن هذا كان سببا في شهرتهم، وحسن ذكرهم، وعلوّ مكانتهم؛ لا سببًا في خمول ذكرهم، ولم يمنع من معرفة سيرتهم على التفصيل
فإن قيل هذا مختص بعلماء أهل السنة.
قلنا: قد توارى بعض أئمة البدعة من بعض الولاة، ولم يمنع ذلك من ذكرهم؛
كبعض الزنادقة الذين كان الخليفة العباسي المهدي رحمه الله يتتبعهم؛ كما تجده في ترجمة صالح بن عبد القدوس في "لسان الميزان (37) وغيرها.