العزابة: حلقة الشيخ محمد بن بكر (وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام) روبيرتو روبيناتشي Roberto RUBINACCI [دارس عن الإباضية]

العزابة

الجزء ١ · صفحة ٧

تميَّز أبو عبد الله بتأسيسه لنظام هو الآية بين النظم الاجتماعية القديمة والحديثة: نظام حلقة العزَّابة. أطنبت المصادر في ذكر تفاصيل تأسيس هذا النظام، فقد كانت المبادرة لوفد من طلبة جربة، التقوا بالشيخ وهو في طريقه إلى قصطيلية - وبلَّغوا إليه وصية شيخهم وشيخه - من قبل - أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور بأن يطلبوا منه تأسيس حلقة للعلم، فأبى أوَّل الأمر، وبعد إصرارهم وإلحاحهم الشديد لم يتركوا له بدًّا من القبول؛ فاشترط عليهم مهلة أربعة أشهر ليرتِّب فيها نظاماً محكماً ودقيقا للتسيير الحسن للحلقة، فوافقوا. وساعده في التنظير والتخطيط أستاذه فصيل بن أبي مسور، ولذلك عرف هذا النظام بـ "السيرة المسورية البكرية"، ثمَّ شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أوَّل حلقة له بغار في «تين يسلي»، وهي «بَلْدَة اَعْمَر» بالقرب من مدينة تقرت - جنوب شرق الجزائر حالياً -، وذلك سنة 409هـ (1018م)، وإلى هذا التاريخ نسب هذا الغار، وسمي بـ«الغار التسعي»، وقد حُفر وجهِّز ونظِّم خصيصا لهذا الغرض.

لم يحصر أبو عبد الله هدفه في مجرَّد التعليم الديني النظري فحسب، وإنَّما سعى إلى غرس مبادئ الإسلام في طلبته، على أنَّه منهج حياة، لا فصل فيه بين العلم والعمل، ولا بين النصِّ والواقع. ولذلك كان الشيخ كثير السفر مع طلبته في المغرب الإسلامي، من نفوسة شرقاً إلى وادي ميزاب غرباً، يتعلَّمون ويعلِّمون الناس أمر دينهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونذكر من بين المناطق الكثيرة التي استقرَّ فيها بحلقته: تين يسلي، قصطالية، طرابلس، لماية، جربة، تفاجالت، وادي أريغ، وغلانة، قنطرارة، وارجلان. ولهذا عرف الشيخ عند العَامَّة بـ: "سيدي محمَّد السايح".

٧ / ٩٤