تحقيق مخطوطة التقييد والاختصار ص 185 إلى ص 229
الجزء ١ · صفحة ٧٨الجميعهم مرة بعد أخرى دائما، فإن الرعاية والرعية كالأمانة والوديعة عنده، ولا يسامح في التضييع والتشاهد بشيء منها دقيقها وجليلها ويصلح نيته بالصدق والشفقة وحسن الرعاية وواقي الحماية. وقيل أن الوالي إذا هم بالجور في رعيته أو عمل به، أدخل الله النقص على أهل مملكته، وإذا همّ بالعدل في رعيته أو عمل به، أدخل الله الزيادة والصلاح في أهل مملكته. وأيضا قد نقل في ذلك حكايات صالحة وروايات راجحة عن الولاة والأمراء فيما مضى، والتجربة والمشاهدة بذلك قاطعة، وأن الولاة إذا كانت هادئة مهدية، أصلح الله الرعية، وإذا كانت ظالمة مسيئة لعله كان بضد ذلك وردت بنحوه ذلك الأخبار والآثار. وكل بلدة بلا سلطان، فسلطانها الشيطان وكل بلدة بلا سلطان، قل ما تخلوا من رحمة الرحمن تلك البلاد معترك الشيطان، لا خير في سكانها وإن كثروا، ولا طمع في صلاحهم وإن قلوا، وخير البقاع بقاع السلاطين والسلطان عليه لواء معقود بالستر والجميل ما دام يرعى رعيته بحسن الرعاية، والله به لطف عظيم ما دام يحميهم بواقي الحماية، فإذا ترك الحماية وغلب أهل الظلم على المستضعفين، ولم يدفع عن المظلوم وعن المعسر المديون، وينتصف للمظلوم، أو حصل التجاهل بالفسوق في الدين والمبارزة لرب العالمين؛ فحينئذ يضيع أمر الوالي، ويستحق العقوبة والعزل من الوالي المتعالي بحصول إهماله وتضييع أحواله، فهو كالمعزول أو المعقود وإن كان بشخصه موجوداً، ولا مصلحة في ولايته وبقائه فافهم ما أشرنا إليه، فإن الوالي مرتبة جليلة إن أحسن الرعاية، فأجره جزيل؛ إذ هو يشارك الرعية في كل خير كثير أو قليل، وأيضاً فوزره ثقيل؛ إذ تحمل عليه أوزار رعيته نصيبه من كل دقيق وجليل بقدرته عليهم، وكونه سببا فيما لديهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ويتأكد على الوالي الشكر لله على صلاح رعيته وانتظام أمرهم؛ إذ هو نعمة عليه، وبالشكر قيد النعمة عن الزوال وزيادتها. وإن اضطرب أمر ولايته، فيرجع إلى ربه ويتوب عن ذنبه، ويطلب منه إصلاح أمره وتيسير عسره، فقد كان السلف يعترفون أن ما أصابهم من مصيبة فبذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى، الآية 30]، ويعفوا عن
72