تحقيق مخطوطة التقييد والاختصار ص 185 إلى ص 229
الجزء ١ · صفحة ٨٠لا يطيق، فالعاقل يقتصد في كل الأمور، ويغلق عنه أبواب الشرور، ويكون حذرا فطنا، فإنما أهلك الولاة بسط الأيدي والجود بالكثير من المال؛ طلبا للمحامد، ونشرا للصيت من الأنذال الحمقاء ومن والسفهاء وأشباههم، فصابر على الحق حتى يأتيك اليقين. أعاننا الله تعالى وإياك على طاعته، وحفظنا جميعا من الوقوع في مخالفته. واعلم أن من الله المعونة تأتي على قدر المشقة والمؤونة، وأجر الصابرين بغير حساب، وإعطاؤهم بغير مقدار وخير الناس أنفعهم للناس، كما ورد في الحديث، فأقدر أهل المراتب والمناصب على منفعة الناس عمومهم وخصوصهم في دينهم ودنياهم هم الولاة والسلاطين من يليهم، فما أجل قدرهم وأجزل، أمرهم وإن عملوا بالعدل ووفقوا للفضل ويوم من إمام عادل خير من عبادة العابد أعوام كثيرة كما ورد ذلك في الآثار الصريحة الشهيرة وطول العمر لأهل العدل والفضل سعادة وزيادة، وأما أهل الجور والظلم والغشم، فما أثقل وزرهم وأقل قدرهم، وطول العمر لأهل الظلم والغشم شقاوة وإهانة أصلح الله أمر المسلمين، وأصلح ولايتهم بالهداية والتوفيق، وأعانهم على كل خير آمين.
واعلم أن الوالي به صلاح الدنيا والدين، فإذا احتقر الأغنياء فقراءهم، وقطعوا أرحامهم، ومنعوا صدقاتهم، منعوا قطر السماء وبركات الأرض، وإذا تجاهر الناس بالفواحش وأظهروا ثم لم يؤمر فيهم بالمعروف وينهي عن المنكر، وضعت البغضاء والعداوة بينهم، وغلب أهل الظلم والجور، وكثرت فيهم الشرور، وسلبوا بركة الشريعة في قلوبهم ورفعت عنها حرمة الدين وحرمة العلماء الصالحين، فبقيام الوالي بما عليه من الحقوق في قطره، أصلح الله به الأمور، ويدفع عن رعيته الشرور. وفق الله المسلمين لكل خير كثير. واعلم أنه يجب على الرعية طاعة الولاة في المصالح دون المفاسد، كما ورد في الحديث الصريح ونقل الإمام النووي في تهذيبه عن الإمام الجليل عمر بن عبدالعزيز، أو نادى بأعلى صوته في جامع دمشق والناس فيه مجتمعون وقال: يأيها الناس لا طاعة لنا في معصية الله مرتين أو ثلاثا، واعلم أن الوالي لرعيته كالوالد لولده، يجب عليه في الرعاية وحسن النظر والنصيحة والشفقة على
74