تحقيق كتاب التقييد والاختصار لسالم بن خميس المحليوي (من ص185 إلى ص229) الحميدي، صالح بن علي بن سعيد

تحقيق مخطوطة التقييد والاختصار ص 185 إلى ص 229

الجزء ١ · صفحة ٨٣

اللهيف، ولا تخف في الله لومة لائم، فحبذا أمنية تأتي، ومهجة تتلف وروح تزهق في مرضاة الله تعالى. وكان الخليفة عبد الملك بن مروان يقول في مرضه وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعي غنيمات في جبالها، وأني لم آلِ من أمر هذه الأمة شيئا، ولم أتطوّق ذنوبهم في عنقي. ولما احتضر عمر

بن عبد العزيز قال: إلهي أمرتني فلم ائتمر وزجرتني فلم ازدجر، أقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وهي وسيلتي إليك في خلاصي مما جنيت. فتأمل يا أخي أقوال العلماء الخلفاء من السلف، وانظر إلى شدة خوفهم من ربهم وإشفاقهم مما تقلدوه، فعليك بالقدوة والمتابعة والمصابرة عليها، وإياك أن تتوهم أن في المخالفة مصلحة، ولا تغتر بزخارف الحكايات، فإنها من كيد الشيطان وتلبيسه، قال الله تعالى: ﴿فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [سورة فاطر / الآية 8]. وإذا اشتد الغضب والمقت من الله على الوالي الجائر في ولايته، فتحت أبواب هذه الدنيا على صاحبها، قال الله تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ [الأنعام/آية 44]. واعلم أنه بحسن الصفح والعفو عن الولاية عند القدرة على الجاني فيما يخصهم دون حقوق الله تعالى وحقوق الرعية، قال الخليفة عمر بن عبد العزيز: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من علم إلى حلم، ومن عفو إلى قدرة وكان الخليفة معاوية فيما وجدت لذة ألذ من غيض أتجرعه ومن سقم بالحلم أقلعه، ولله در من قال:

لا تحسبن الحلم منك مذلة إن الحليم هو الأعز الأعلم

إن جرعوك الغيظ فجرعه لهم تؤجر وتحمد عندما تتجرع

ولكل شيء محل، وفي كل حال مقال، فالعاقل الفطن يميز في الأمور، ويضع كل شيء في محله، فقد تكون العقوبة أفضل من الصفح في بعض الأحوال خصوصاً في فساد الزمان والعمل بالأهوية، قال

77