ضوابط معاملة المتهم في الشريعة الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٩أثر الدم، وقد أخذت في خربة؟ فخفت ألا يقبل مني، وأن يكون قسامة، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله فقال علي: بئس ما صنعت. فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب، خرجت إلى حانوتي في الغلس، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني، أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه، فقال عليّ للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال: اعتراني، فلس فقتلت الرجل طمعا في ماله ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. فلما أمرت بقتله علمت أني أبوء بدمه أيضا فاعترفت بالحق. فقال علي للحسن -رضي الله عنهما -: ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة: ??)، فخلى علي كرم الله وجهه عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال". (?) قالوا في هذه القصة أن القرائن تبدو بظاهرها قاطعة قوية على أن الرجل الأول هو القاتل، لكن ما هي إلا لحظات حتى تبدلت تلك القرينة القوية إلى دلالة باطلة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، فلو أخذنا هذه القرائن لأهدرنا دماء كثيرة وأزهقنا أرواحا بريئة كما في القصة، فقالوا ما
(?) ابن القيم، الطرق الحكمية، مرجع سابق، ص56 و 57.