الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (1236-1332هـ) عدون بن ناصر بن قاسم جهلان

الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

ب- علاقة الاباضية بمخالفيهم في مرحلة الكتمان:

أما هذه العلاقة فإنها غير ثابتة- في الواقع- حيث نجدها تتسم بالتقارب والتآزر حينا وبالتباعد والتنافر حينا آخر وفي الحالة الثانية تركن الجماعة الاباضية الانزواء حول نفسها رافضة كل ما يأتي من الخارج.

ويبدو ان هذا التارجح بين الحالتين ناتج أساسا عن التغيير الحاصل في الظروف الزمانية والمكانية وبما ان الاباضية يضطرون للدخول في مرحلة الكتمان هروبا بدينهم بسبب الفساد وتسلط الحكم الجائر فهذا مما يدعو بالضرورة الى الانعزال مع إبقاء العلاقات الأخوية بالمخالفين على الدوام دون إثارة الفتنة ما لم تمس الجماعة في سياسة الحياد الإيجابي وأول ما ينبغي في ذلك الالتجاء الى مواقع منعزلة "بعيدة عن مواطن الاتصال بين الأمم فيقطنون بقعا تكاد نسيل منسيا"(69).

ومن مظاهر الانغلاق في مرحلة الكتمان الابتعاد عن مجالس المخالفين وعدم دراسة مؤلفاتهم مخافة التأثر بهم والذوبان في مجتمعهم يقول الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف النفطي(أواخر ق 5هـ) يوصي اتباع الاباضية: "احذروا من ذلك سواكم.... "(70) ويؤكد هذا نقمة المشائخ على أبي يعقوب يوسف ابن خلفون (أواخر ق 6هـ) شغفه بمطالعة كتب الأشراف(71) وغيره من تصانيف المخالفين(72).

ربما كان الاباضية مبالغين في موقفهم عند الكتمان خوفا من الوقوع في مزالق الإثم الا أنه حدث مثل هذا في فترة من التاريخ فأنه- لا محالة- وقع تحت تأثير قوي من العصبية والطائفية، في عصر بلغ فيه الصراع المذهبي أوجه على ان هذا الانعزال لا يخلو من محاسن، أهمها تفرغ العلماء للدراسة والتأليف والتدوين وكان

69 ) أجناس جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الاسلام، ص147.

70 ) صالح باجية، الاباضية بالجريد، ص48 نقلا عن الدرجيني الطبقات جـ2.

71 ) أنظر: الفقه على المذاهب الأربعة، لأبي بكر النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة 318هـ.

72 ) الدرجيني طبقات المشائخ بالمغرب، جـ2، ص496.

١٦٧ / ٣٠٣