الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤لا يبلغ سياسة الميكيافيلية التي تقوم على احتكار السلطة ولو على حساب الدين والأخلاق الإنسانية والقيم العليا، فهذا لم يحدثه الامام عبد الوهاب ولا غيره من الأئمة الرستميين بل كانوا ملتزمين دوما بالمنهج الاسلامي ومحافظين على التعاليم الدينية، مع أننا لا ننكر سياسة القوة التي ربما اعتمد عليها امام رستمي في حالة الضرورة وذلك ما يشير إليه مؤرخ الدولة الرستمية ابن الصغير(ق 3هـ) فقد سلك الامام أفلح بن عبد الوهاب(208-258هـ) نهج والده في إدارة شؤون الدولة فاعتمد على سياسة القوة للتحكم في زمام السلطة خاصة لما ازدهرت الدولة في أيامه وبلغت شأوا عظيما من الرقي الحضاري حتى خاف من اجتماع القبائل عليه لإزالة ملكه، فعمد الى ضرب القبائل بعضها ببعض ( فأرش بين لواته وزناته، وما بين لواته ومطماطه وما بين الجند والعجم حتى تنافرت النفوس ووقعت الحروب وصارت كل قبيلة ملاطفة للإمام أفلح… )(13).
ومهما يكن من أمر الامام عبد الوهاب أو أفلح أو غيرهما مت الأئمة الاباضية فإن العبرة بالمواقف المشرفة في ممارسة الحكم التي تنم عن علو الهمة والكفاءة العالية والحنكة السياسية في تدبير شؤون الدولة سواء أكان باللين والطف أم بالقوة والصرامة في حدود الشرع ولكن ليس بالحيلة والعنف وفق السياسة الميكافيلية- كما يرى أ. جودت عبد الكريم- ثم ان العبرة الجديرة بالتنويه ان القوة ان استخدمت لصالح الدولة فإنها لم تكن في معزل عن الديموقراطية لأن القوة في غياب الحرية والديموقراطية معناها، ديكتاتورية الحكم، وهذا لم يحدث في دولة اباضية في مشرق الأمة الاسلامية أو مغربها.
هذه نظرة حول طبيعة الحكم لدى الاباضية من الناحية العملية أما من الناحية الفكرية فإن الملاحظة الأولى تثبت بوضوح ان الاباضية لم يكونوا منظرين في الناحية الفكرية فإن الملاحظة الأولى تثبت بوضوح ان الاباضية لم يكونوا منظرين في
13 ) ابن الصغير أخبار الأئمة الرستميين، ص55، يعلق د. محمد ناصر وأ. إبراهيم بحاز على قول ابن الصغير بأنه (أمر خطير وهو اتهام الامام أفلح بسياسة فرق تسد) وواضح من كلماته الأخيرة انه يستبعد مثل هذه السياسة عن الامام أفلح ولا يرد ان يتحمل المسؤولية لذلك يقول "… فيما قالوا، والله أعلم فيمن رأى ذلك" وانظر وداد القاضي ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية مجلة الأصالة عدد45 ص44 ورد هذا التعليق في هامش أخبار الأئمة الرستميين، لابن الصغير تحقيق وتعليق د. محمد ناصر وأ. إبراهيم بحاز، ص55.