الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (1236-1332هـ) عدون بن ناصر بن قاسم جهلان

الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

السياسة بقدر ما كانوا واقعيين عمليين ولذلك يندر ان نجد مؤلفا خاصا لموضوع الحكم لدى المفكرين الاباضيين مثلما نجد مؤلفات كثيرة في السياسة للفارابي، والماوردي، وابن أبي الربيع، والمهدي ابن تومرت وغيرهم. ولذلك جاءت معظم الآراء السياسية عند الاباضية موزعة بين الموضوعات الفقهية والأصولية والأخلاقية، وتتضح لنا هذه النظرية من خلال شخصية الشيخ اطفيش الذي ركزنا هذه الدراسة على آرائه السياسية فهو لم يترك لنا كتابا خاصا في السياسة وانما تعرض لهذا الموضوع أثناء معالجته للمسائل الفقهية والأصولية والكلامية، والموضوعات ذات الطابع الإنساني والاجتماعي بصفة عامة، ولعل السبب في ذلك ان القطب لم يكن فيلسوفا أو مفكرا سياسيا بل كان فقيها وعالما في العقيدة وأصول الدين، وهذا لم يمنعه من الاهتمام بالمسائل السياسية فقد دلت آثاره على إطلاعه الواسع في مجال الفكر السياسي ووعيه بنظم الحكم السائد في عصره وما قبله.

والسبب الآخر ربما يعود الى ان القطب- كغيره من علماء الاباضية- ينظر الى السياسة كعلم مستقل بذاته قاصرا على موضوع الحكم بل السياسة عنده جزء من حياة الانسان الزاخر بأنواع عديدة من الأنشطة المتكاملة حيث لا يمكن الفصل بين وجوه النشاط الروحي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي والعلمي والاقتصادي… ومن هنا ندرك حتمية الربط بين الدين والدنيا وهذا الربط لا يتحقق ا بواسطة الدولة أو على الأقل تنظيم يعهد للخاصة ليتولى القيادة ورعاية شؤون العامة.

ومن هنا نستطيع فهم وجهة القطب السياسية حيث لم يذهب مذهبّ الفارابي الفلسفي الذي استقى من الأفلاطونية البعد المثالي في نظام الحكم القائم على مبادئ نظرية عقلية يتعذر تجسيدها في واقع عملي. وانما كان مفهوم السياسة عند الشيخ اطفيش مرتبطا بواقع الانسان المفتقر الى موجه يحدد له معالم الطريق نحو السعادة في الدارين وحيث ان الله قد تكفل هذا التوجيه بواسطة شريعة سماوية فلا يبقى للإنسان الا التزام بها وتطبيقها ولكن ذلك لا يتم الا على يد السلطة في شخص الامام وأعوانه.

٢٣٥ / ٣٠٣