الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨ذلك لا يجعله في منأى عن التأثر بهم في الأشياء المشتركة على الأقل"(14) وهذا في الكلام أما ما يتعلق بالسياسة وغيرها من العلوم فيبدو ان الاباضية- والمتقدمين منهم بالخصوص- لم تكن لديهم رغبة في دراستها، خاصة الفكر اليوناني بمختلف فنونه الفلسفية، لاعتقادهم ان ما عندهم من علوم إسلامية نقلية وعقلية تغنيهم من الاستزادة من الفكر اليوناني وفلسفات الشرق والغرب فانطلاقا من هذا التصور يمكن القول ان الفكر الاباضي وحيد المنبع، اسلامي النزعة، لم يتأثر بالاتجاهات الفكرية عند اليونان وهذا بالرغم من وجود أوجه عديدة للاتفاق بين الاباضية والمعتزلة ذات النزعة العقلية المتأثرة الى حد بعيد بالفكر اليوناني.
عاشرا: يمكن الخلوص الى القول بعد الذي تقدم من البحث أن المساهمة الاباضية في المجال السياسي لم يبلغ مبلغ كل من الفارابي وابن سينا والماوردي وغيرهم من فلاسفة الاسلام في الفكر السياسي من جانبه النظري ومع ذلك فإن الاباضية قد نجحت الى حد بعيد بأن سلمت من الوقوع في الهوة الفاصلة بين التنظير السياسي والتطبيق الميداني. يشير د. عبد الله شريط(معاصر) الى هذه الهوة التي لم ينج فلاسفة العرب من الوقوع فيها باستثناء العلامة ابن خلدون الذي يعتبره(… ) الوحيد الذي نجا من الوقوع في الهوة السحيقة التي تفصل الدولة النظرية عن الدولة الواقعية ويضيف د. شريط قائلا: " هذه الهوة التي وقع فيها أخوان الصفاء والفارابي والغزالي والماوردي وكل أولئك قال عنهم ابن خلدون أنهم تحدثوا عنها من جهة النظر والتقدير والافتراض، وكونوا بهذا الأسلوب ازدواجية فادحة الأخطار في تاريخ المجتمع العربي، راح يتصور ان من طبيعة الأشياء ان تكون الدولة النظرية شيئا والواقعية شيئا آخر" وليس من شك ان ظاهرة الهوة تنجب عن الإسهاب في التنظير المجرد والتكديس الفكري دون ان ينعكس ذلك في واقع معاش يجسد التصور الذهني للمبادئ والتعاليم السياسية.
وإذا انطلقنا من هذا المنظور نجد الأمر على غير ذلك بالنسبة للتجربة الاباضية في الميدان السياسي حيث تنعدم الهوة نظرا لما تتميز به المبادئ من الواقعية
14 ) عمار طالبي، آراء الخوارج الكلامية ش. و. ن. ت.، الجزائر، ص: 225.