الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (1236-1332هـ) عدون بن ناصر بن قاسم جهلان

الفكر السياسي عند الإباضية لعدون جهلان

الجزء ١ · صفحة ٣٣

ولذلك آثرت هذه الجماعة الدخول في الكتمان(32) على هذا الاختيار اجتهد الإمام جابر في نشر دعوته سرا حتى لا يتعرض لكل ما يؤذيه ويبيد أتباعه، وهذا ما شجع المعتدلين من بقية المحكمة على الالتفاف حوله والاستزادة من علمه، ولم يلبث أن أصبح رئيس الجماعة والمؤسس الحقيقي للحركة(33) وحظي الإمام بمكانة عالية وثقة واسعة في مجتمع البصرة بفضل ثقله العلمي وموقفه الاعتدالي؛ كما لعب العراق، الحجاج بن يوسف الثقفي(76- 95هـ /695- 714م) ودامت العلاقة بين جابر والحجاج في غاية من الثقة والود مدة طويلة"(34).

وفي الحقيقة إن هذه السياسة التي كان الإمام جابر ينتهجها والتي تقوم على مبدأ الاعتدال والابتعاد ما أمكن عن بؤر التوتر وعدم الجهر بالرأي في وجه المخالفين، فضلا عن استعراض الناس، والالتجاء إلى العنف لإثبات رأي أو دفاع عنه. كانت هذه السياسة هي الوسيلة الناجحة للمحافظة على التواجد الإباضي في وسط مفعم بالخلاف كثير الفتن، لا يرحم فيه أصحاب السلطة كل من شذ عن الرأي العام الذي تسيطر عليه الأسرة الأموية- آنذاك- وكان هذا النوع من التعامل السياسي يفرض على الإباضية- ومنظريها بالخصوص- الاحتكاك المباشر مع المخالفين وإظهار الرضى والود، لكن ليس على حساب المبادئ الأساسية للمذهب. وتذكر المصادر أن جابر كان" يشترك مع الخوارج المتطرفين في مناقشات سياسية"(35) وكان عبد الله بن إباض- من قبله- ينتهج الأسلوب نفسه في سياسة اللين مع الخليفة الأموي عبد الملك عن طريق المراسلات… وقد سجل التاريخ رسالتين لعبد الله بن إباض تدل على العلاقة الودية بينهما"(36) كما كان عبد الله بن إباض صاحب مناظرات كلامية مع الخوارج.

32) حول مفهوم الكتمان، راجع: الفصل الثالث من الباب الثاني من هذا البحث.

33) عوض محمد خليفات، الأصول التاريخية للفرقة الاباضية ص6. أنظر كذلك: صالح الصوافي، الامام جابر بن زيد ص197 وانظر: Lewicki ، E. I. ، p670

34) نقلا عن الشماخي في السير ص47

35) م. س. ص670، نقلا عن الشماخي في السير ص76.

36) م. س. ص670،

٣٣ / ٣٠٣