اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي أبو محمد

اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب لسعيد بن حمد الحارثي

الجزء ١ · صفحة ١١٥

الغلاجي، ويصبح في غد مع أصحابه في المضيرب، فكرهتُ ذلك؛ لأن الغلاجي ذلك الوقت يهرب أهلها منها لشدة البرد، ولقلة الأبنية التي تقي عن البرد، لكن ما وسعني خلافه، فأنفردنا عن أصحابنا، ولما وصلنا الغلاجي قال: اتركني في المسجد، واذهب أنت حيث شئت، لا أراك إلا لصلاة الصبح.

وكانت الليلة شديدة البرد، ولا يكاد يوجد في البلد سوانا. وعرفت أنه أراد أن يستغل هذه الخلوة؛ ليبيت في مناجاة ربه. فذهبت أنا عنه حسب أمره، ولا يكاد أني وجدت مكانا أستكن فيه عن البرد.

وقبيل الفجر جئت بسراْج " بو سحّه " (1)؛ لنصلي على ضوئه الضعيف الصبح. فلما دخلت عليه، وجدته قائماً على المحراب ولحيته تقطر من الدموع والمخاط، وهذا ما كان يتمناه. لكنه عتب عليّ حين دخلت عليه، واطلعت على سره، ما كان يود ذلك، ولكني تحدثت بهذا بعده تأسياً به.

وكثير من أمثال هذا الصنيع ما يحكي عنه ملازموه في الإعتكاف، إذ هو لم يترك الإعتكاف حتى في حال مرضه الخفيف.

وماتت له زوجة في سنة من السنين، وهو معتكف، فخرج لتجهيزها والصلاة عليها، ولكنه لم يذهب إلى المقبرة.

وحسبما قدمناه أن أباه لما أُصيب أوصى عليه أن لا يقبل مشيخة الحرث. ولكن الشيخ نور الدين حكم عليه شرعاً أن يقبل، وأبطل الوصية فكان فيه الخير.


(1) سراج بو سحه: هو سراج يصنع من فتيل ووعاء أحكم غطاءه بالتمر المدلوك ويسقى الفتيل بالزيت.

١١٥ / ٤٠٤