أحكام الطيب في فقه العبادات
الجزء ١ · صفحة ٣٢جراء فعل الصحابة، وما كان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ينجسوا طرق المسلمين مع ما عرفوه من وجوب صونها من كل أذى، والنبي صلى الله عليه وسلم أقر فعل الصحابة -رضوان الله عليهم - عندما أراقوا دنان الخمر في شوارع المدينة، فبهذا اتضح أن الصحيح عدم نجاسة ذاتها وإن كانت محرمة، إذ ليس كل حرام نجس وإلا لتنجست الأموال المكتسبة من الربا والرشوة.
هذا، بعد أن تبين لنا القول برجحان طهارة الخمر وعدم نجاستها، يمكننا الآن أن نستنتج أن الطيب الذي خالطته الكحول جائز استخدامها؛ ولكن بشرط أن تكون تلك الكحول أصلها طاهرة (1)، أما إذا كانت الكحول مصنوعة من مواد نجسة، فلا يجوز استعمال ذلك الطيب؛ بسبب نجاسة أصل تلك المادة، وعلى المسلم الفطن أن يتحرز في هذا الشأن، وأن يكون عالما في أصل الطيب الذي يستخدمه، وخاصة تلك التي تستورد من بلاد غير المسلمين، إلا إن تبين أن تلك الأطياب التي خالطتها الكحول طاهرة غير
نجسة.
لكن بعد مطالعة عدد من الدراسات العميقة في شأن صناعة الأطياب الممزوجة بالكحول التي تستورد من بلاد غير المسلمين تبين أن الكحول الداخلة في هذه الأطياب هو الكحول الإيثلي (2) النقي الطاهر، المستخلص عن طرق كيميائية، وهذه الكحول ليست كحولا مستخرجة من الخمر؛ ذلك لأن الخمر عندما يصنع يطبخ في النار حتى يصل إلى مرحلة من الغليان يقذف الزبد وله شدة مطربة.
أما هذا النوع من الكحول عند صناعتها، لا تقذف الزبد، وليس لها شدة مطربة، بل تتحول إلى مادة قلوية حمضية تتطاير منها غازات سامة تمر بأطوار متعددة، بعد ذلك تتم عملية التبخير والتكثيف حتى تخرج تلك الكحول مادة عديمة اللون كماء جوز الهند (?).
(?) مثل: التمر والعسل والعنب والزبيب والتفاح والبطيخ فهذه كلها أعيان طاهرة. أخف
من الماء وليس له طعم، ويتفاعل مع المادة المذابة فيه بسرعة ولا يؤثر في الجد، ويساعد
(?) هو سائل سريع الاشتعال والتبخر، على إظهار الشذى والروائح العطرة في الجسم، ينظر الحميري لباب النقول، ص 122). (?) ينظر: الحميري لباب النقول، ص 122.
24