قصة وتاريخ الحضارات العربية
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الحكم الذي يعتبرونه حقاً مقدساً لهم، ولا سيما بين الموالي الذين باتت تشدهم إلى العلويين رابطة القربي بعد أن تزوج الحسين بن علي حفيد الرسول أشهر بانون ابنة آخر الملوك الساسانيين. وكثيراً ما كان آل البيت أبعد ما يكونون عن هذه الحركات وليس لهم أية علاقة بها، لا بل تتنافى هذه مع عقائدهم وأهدافهم. ولكن التشيع لعلي والانتصار للعلويين صار المظلة التي يستظل بها كل ثائر أو متمرد من ذلك الحركة الروندية التي ادعت أن قبساً من النور الإلهي قد تجسد في علي بن أبي طالب، ثم في الأئمة واحداً بعد الآخر، فهم آلهة وأبو جعفر المنصور إله وعبادته واجبة على المؤمنين.
وحدثت ثورة الزنج التي قام بها علي بن محمد بعد أن اختلق لنفسه نسباً يربطه بوشائج القربى بالبيت العلوي، مستغلاً تردي الأوضاع إثر طغيان العنصر التركي في أواخر العهد العباسي بعد طغيان العنصر الفارسي في
مستهله، دايعاً الرقيق إلى الثورة والالتحاق بالولايات التي سيطر عليها. وبينما الدولة العباسية تعاني ما تعانيه من أمر الزنج، برزت على سطح الأحداث الحركة القرمطية كحلقة من سلسلة الثورات التي نشبت قبلها. غير أن هذه كانت تختلف عن سالفاتها في الغاية والجوهر. فبينما كانت الثورات التي تسمت بالعلوية تتسم بعدم تبلورها الفكري والتنظيم العسكري، ويعوزها تفاني رجالها أيام المحن وكان كل منها أشبه ما يكون بكبش الفداء للأخرى، كانت الحركة القرمطية، وهي إحدى فرق الإسماعيلية، وتنسب لصاحب الدعوة حمدان قرمط بن الأشعث، تعمل بأناة وتنظيم وبموجب منهج ومخطط سابقين مستعينة على أمورها بالخفاء والتستر، واضعة نصب عينيها، بإثارة اتباعها واستغلال الاستياء العام من السلطة، أن تسدد الضربة القاضية لها، وتقيم دولتها على أنقاضها متشربة روح الثورة الخرمية التي ظهرت سابقاً في فارس ومشبعة بالعقائد الإيرانية القائلة بالنعمة اللدنية، وبالنظريات الفنوستية التي تعود بأصلها إلى النساك، وبعض عناصر من الفلسفة اليونانية وأخرى من المانوية ديانة الطبقة الممتازة، لتظهر في عقيدة باطنية تتلاءم مع الميل المعروف في الشرق إلى تأسيس الجمعيات السرية. وكان مستهل هذه الحركة في ضواحي مدينة الكوفة حيث أنشأ حمدان
196