الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه
الجزء ١ · صفحة ٣٩{%)
المبحث الثاني: عقيدة مراقبة الله وأثرها على السلوكيات القلبية والفعلية والقولية
إن استشعار العبد مراقبة الله له وخبرته وعلمه وإحاطته بجميع أحواله يصنع منه عبدا مطيعا مستقيما على طريق الرشاد وعدم استشعاره ذلك وإيقانه به يصنع منه عبدا عاصيا متمردا متخبطا بين طرق الفساد منحرفا عن السلوك المُرضي لرب العباد؛ ولذلك اعتنى لقمان بغرس هذه العقيدة العظيمة في قلب ابنه ليصنع منه عبدا صالحا، وظهر ذلك في وعظه لابنه قائلا: يَبْنَى إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ الله لَطِيفُ خَبِيرٌ} [لقمان: (16)].
قال أحمد السعدني وحبة الخردل يضرب بها المثل في الخفة والضآلة، فهي لا يدرك ثقلها بالحس ولا ترجح ميزانا، فإنها كانت في أحرز مكان وأعزه منالاً مثل الصخرة أو كانت في أقصى مكان وأوسعه انتشاراً مثل السماوات أو كانت في أخفى الأماكن وأكثرها ظلاما مثل الأرض كقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: (59)]، فإن كل ذلك في جانب علم الله وقدرته سواء] 1. ومن الدقة التعبير البديعة أنه قال: [يَأْتِ بِهَا اللهُ] ولم يقل: [يعلمها الله]، للدلالة على العلم بها والقدرة على الإتيان بها من أي مكان في هذا الكون الفسيح.
وإن العبد قد يوحد ربه ولكن لا يعتقد مراقبته له واطلاعه على جميع أحواله ثم محاسبته على خيرها وشرها، وقد يعتقد أن شخصا يراقبه ومطلع على أحواله فينضبط على فعل أوامره وترك نواهيه لأي سبب من الأسباب ولكن لا يعتقد استحقاقه للعبادة والتوحيد، ولكن الموحد الصادق يُوَحّدُ الله ويؤمن بعلمه وخبرته بأحوال مخلوقاته.
وإن هذه العقيدة تلازم الإنسان في سائر أوقات وشؤون حياته، إلا أنها تتجلى في السر أكثر من الجهر، والخلوة أكثر من الخلطة والسفر أكثر من الحضر، والقلب أكثر من الجوارح، والأمن أكثر من الخوف، وهي التي تردع الإنسان عن التَّمَرُّغ في مستنقعات الرذيلة وتقوده إلى شواطئ وبساتين الفضيلة، وهي التي إذا شارف على السقوط في شيء من أوحال الذنوب أقامته
(1) عبد الجليل أحمد علي (معاصر)، تبصير القلب السليم بوصايا لقمان الحكيم، دار الإيمان، الإسكندرية، ص 70.