الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه وأثرها على السلوكيات: دراسة تحليلية لقصة لقمان في القرآن الشعيبي، منذر بن خميس بن مشيمل

الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه

الجزء ١ · صفحة ٥١

{")

وَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ فِي كُلِّ دِين وَلِهَذا كَانَ مَقَامُهَا هُنَا هُوَ المَقَامُ الأَوَّلُ].

فلاحِظُ كيف نَصَحَ ابْنَهُ بِإِقَامِ الصَّلاةِ ولَمْ يقتصر على نصحه بأدائها فقط، فَثَمَّةَ فَرْقٌ بين الأداءِ دون مراعاة لِصِحَّةٍ أو فَسادٍ، أو كَمَالٍ أوْ نَقْصٍ، أو صَوابٍ أو خَطَا، وَبَيْنَ الْأَدَاءِ المَقْرُونِ بالمُراعَاةِ وَالْمُرَاقَبَةِ والمُجَاهَدَةِ، فَكَمْ مِن أُنَاسِ يُؤَدُّون الصلاةَ فيقومون ويركعون ويسجدون ويقْعُدُونَ، ولكن ليس للصلاةِ أثَرٌ على سُلُوكِيَّاتِهِم، فَهُمْ يَعْمَهُون في طُغْيانِهِم، ويَسْتَرْسِلُون في عصيانهم، فأنَّى يُوصف هؤلاء بأنَّهُم مُقيمُونَ للصلاة؟!

وإنَّ المرء لَيَعْجَبُ حين يرى بعضَهُم خرجَ مِن صلاة الجماعة فلَمْ يَكَدْ يُجاوِزُ بَابَ المَسْجِدِ حتى اعْتابَ زَيْدًا، وسَبَّ عَمْراً، وَكَذَبَ على سعيدٍ، وَقَدَحَ في عِرْضِ خَالِدِ، وَاسْتَهْزَأَ بِسَالِمٍ،

وسِلْسِلَة المعاصي مُسْتَمِرَّةٌ، فأين تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللهِ؟ وَأَيْنَ أَثَرُ الصَّلاةِ التي صَلَّاها؟!

رُوِيَ عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عُمَّاله: [إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ]، فَالذِي ضَيَّعَ الصَّلاةَ التِي هِيَ أَمَانَةُ اللَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْفَظَ أَمَانَاتِ المُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ؟ فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى الذِي هُوَ أَعْظَمُ وَأَوْكَدُ وَأَوْجَبُ ضَيَّعْتَهُ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ لأَنَّهُ لَيْسَتْ لَكَ رَغْبَةٌ فِي رِضَاهُ وَلا رَهْبَةٌ مِنْ سَخَطِهِ، فَكَيْفَ بَعْدَ ذَلِكَ تُوَفِّي مَا عَلَيْكَ مِنْ أَمَانَاتٍ وَوَاجِبَاتٍ لِلْعِبَادِ؟! 3

وبعض الآباء يقولون لأبنائهم: [افْعَلُوا ما شِئْتُمْ ولَكِنْ لا تَتْرُكُوا الصَّلاةَ، ولا تَجْلِبُوا لنا المُشْكِلاتِ، وبَعْضُهُمْ قال لي ما مَعْناهُ: نَحْنُ مَهْمَا فَعَلْنا وَعَصَيْنا وغَرِقْنا في الحرام فالحمدُ الله؛ لأَنَّنَا مُحافِظُونَ على الصَّلاةِ، وتَسْمَعُ العديد منهم يقولُ لِأبْنائِهِ: [صَلُّوا]، وَالْأَبْنَاءُ لَا يَعْرِفُونَ مِن الصَّلاةِ إِلا تِلْكَ الحَرَكاتِ التي يقُومُون بها خَمْسَ مَرَّاتٍ في اليوم والليلة، والأبُ لَمْ يَتَفَرَّغْ

(1) عبد الكريم: الخطيب (1390 هـ)، التفسير القرآني للقرآن، دار الفكر العربي، القاهرة، ج 11، ص 571،

بتصرف

(2) مالك، الموطأ، باب وُقُوتُ الصلاة، رقم الحديث: 6 (3) بيوض، في رحاب القرآن، ج 11، ص 286، بتصرف