الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه
الجزء ١ · صفحة ٦٤[Of (
وهذه الحياة مليئةٌ بِتَقَلُّبَاتِ الأحوال، فاليَوْمَ فُلانٌ حَيٌّ وغَدًا مَيِّتْ، واليَوْمَ صَحِيحٌ وغَدًا سَقِيمٌ، واليوم آمِنْ وغَدًا خَائِفٌ، واليَوْمَ شَبِعٌ وغَدًا جائعٌ، واليومَ غَنِيٌّ وغَدًا فَقير، واليوم قادر وغداً عاجز، فَالدُّنْيا لا يَدُومُ حَالُها لأحَدٍ ولكن تَتَغَيَّرُ وَأَهْلُها يَتَغَيَّرُونَ وَتَعْتَرِيهِمْ أَحْوَالٌ مُتَنَوِّعَةٌ، فقد يُصاب المرء في نَفْسِهِ بِمَرَضِ أَو خَوْفٍ أو غيره، وقد يُصابُ في مالِهِ بِسَرِقَةٍ أَو خَسارَةٍ فِي صَفْقَةٍ أو تِجَارَةٍ أو ما شابَةَ، وقد يُصابُ في أَهْلِهِ وأَحْبَابِهِ بِمَوْتِ بَعْضِهِمْ أَوْ مَرَضِهِمْ، وقد يُصابُ بُسْتَانُهُ بِجَائِحَةٍ تَجْعَلُهُ كالصَّريم، أو يَغُورُ ماءُ بِنْرِهِ فَلا يَجِدُ إلى استخراجه سبيلا؛ فَتَمُوتُ الأشجار وتَنْعَدِمُ الثَّمَارُ، وَقَدْ تَعْصِفُ بِهِ مُشْكِلاتُ الحَياةِ فَتُخَلَّفُ وراءَهَا رُكَامًا مِن الْأَفْكَارِ المُشَوَّشَةِ المُتضاربَةِ، وتَغْرِسُ فِيهِ هَمَّا وَغَمَّا يَتَمَلَّكانِهِ في أوقاتٍ كثيرَةٍ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عَلَى ثُغُورٍ قَلْبِهِ ضدها صابِرًا مُصَابِرًا مُرَابِطًا لا سِيَّما في وَقْتِ الصلاة؛ إذْكيفَ سَيَخْشَعُ إِذَا لَمْ يَصْبِرْ على مُدَافَعَةِ هذهِ الأفكار؟! وكيفَ سَيُحِسُّ بِمَذاقِ الصَّلاةِ الحُلْوِ الرائِعِ وَجَوِّهَا الْمُنْعِشِ المَاتِعِ إِذَا جَعَلَ أَبْوابَ قَلْبِهِ مَفْتُوحَةً لِكُلِّ وَسْوَسَةٍ وَدِعَايَةٍ وَفِكْرَةٍ؟! وقَدْ أُمِرَ بِإِقَامِ الصَّلاةِ، وأَعْظَمُ عَمُودٍ للصَّلاةِ هو الخُشُوعُ، وَهَذا العَمُودُ يَحْتاجُ صَبْرًا وَصُمُودًا تِجَاهَ التَّيَارَاتِ التِي تَعْصِفُ بِهِ، وَقَدْ تهجم عليه فِتَنُ الدنيا وتَتَكالَبُ عليهِ مُغْرِيَاتُها، فَيَرَى أن زَيْدًا الذي كانَ مُؤْمِنًا فِي الصَّباح أَمْسَى كافرا، ويُصْدَمُ صَبَاحًا بِأَنَّ عَمْرًا الذي قد باتَ مُؤمِنًا أَضْحَى كافرا، باعَ دِينَهُ بِعَرَضِ مِنَ الدُّنْيا قليلٍ، فَتَمُورُ نفسُهُ وَيَضْطَرِبُ عَقْلُهُ ويرى حالَهُ كأَنَّهُ قابِضُ على جَمْرَةٍ، فَيُدْرِكُ حِينَها أَنَّ عليه أَنْ يَتَحَلَّى بالصَّبْرِ على طاعةِ اللهِ والصبرِ عن مَعْصِيَتِهِ ابْتِغاءَ مَرْضاتِه – جل جلاله، وقَدْ يَسْعى لِتَحْقِيقِ أَهْدَافٍ وَطُمُوحَاتٍ وَضَعَها لِنَفْسِهِ سواءً كانَتْ دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً، ولكن الطريق إلى تَحْقِيقِها مَلِيءٌ بالحواجز والعَقَباتِ والأشْواكِ والمَطَبَّاتِ، وَقَدْ تَرَبَّصَتْ بِهِ فِيهِ أَنواعٌ وأَلْوانٌ من المُحَبِّطَاتِ والمُنَبِّطَاتِ، فعلى كلِّ صادِقِ فِى مُرادِهِ ومُبْتَغاهُ أنْ يَتَخَطَّاها جَمِيعًا ولا يَسْتَسْلِم لها، وأَنْ يُكْمِلَ مِشْوارَهُ مَهُما سَقَطَ وَتَعَثَرَ، وعليه أنْ يُواجه المصاعِبَ والمَتاعِبَ بِصَبْرِ شَدِيدٍ وَتَصَرُّف رَشِيدٍ، وَقَدْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَن المُنْكَرِ وَإِذْ بِهِ يُفَاجَأَ بِمَنْ يُؤْذِيهِ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ، وَقَدْ لَا يَجِدُ ناصِرًا ولا مُعِينًا ولا مُسْتَجِيبًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ حَتى يَأْتِي اللَّهُ بِأَمْرِهِ.