الجوانب التي راعاها لقمان في تربية ابنه
الجزء ١ · صفحة ٧١{"]
}
قال سيد قطب [والمشي في الأرض مرحاً هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس، وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق، وهي تعبير عن شعور مريض بالذات يتنفس في مشية الخيلاء]، وعلل له سبب نهيه إياه عن هذه الأخلاق الفاسدة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ??]، فاللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لا يُحِبُّ كُلَّ مُتَكَبِّرٍ مُتَبَاهِ فِي نَفْسِهِ وَهَيْئَتِهِ، وَيَكْرَهُ مَنْ دَيْدَنُهُ الافْتِحَارُ عَلَى النَّاسِ بِحَسَبِ أَوْ جَاهِ أَوْ نَسَبٍ أَوْ مَنْقَبَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ فَصَاحَةٍ أَوْ جَمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وإذا لَمْ يُحِبَّهُ اللهُ يُنْزَعُ عَنْهُ القَبُولُ فَتَكْرَهُهُ المَخْلُوقَاتُ ويُصْبِحُ مَبْعُوضًا منبوذا، ولا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لا يُوجَدُ إِنْسَانٌ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ يُحِبُّ مَنْ يَتَكَبَّرُ عَليهِ ويَحْتَقِرُهُ، فَعَلَى العَاقِلِ الرَّشيدِ أنْ يَتَخَلَّصَ مِن هذهِ الصِّفَةِ الدَّمِيمَةِ وأنْ لا يَزْرَعَهَا فِي قُلُوبِ أَبْنَائِهِ، وَإِذَا شَمَّ رَائِحَتَهَا تَنْبَعِثُ مِنْ أَحَدِهِم فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْشِدَهُ وَيُوَجِّهَهُ وَيُحَاوِلَ اسْتِنْصَالِهَا بِأَحْسَنِ الطُّرُقِ وَأَلْطَفِهَا لَا بِأَسْوَئِهَا وَأَعْنَفِهَا.
فتصعير الخد والتبختر في المشي والافتخار من صور الكبر الذي حرمه الله في سائر الأزمان والشرائع، ولا يجوز الإنسان أن يتصف بشيء من صفات الكبر؛ إذ الكبرياء لله وحده، والناس
كلهم فقراء إليه.
قَالَ صِدِّيق خان القنَّوْحِي: والفَحُورُ هُوَ الذي يَفْتَخِرُ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَهُ مِنَ المَالِ وَالشَّرَفِ أَوِ القُوَّةِ، أَوْ يُعَدِّدُ مَنَاقِبَهُ تَطَاوُلاَ أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَيَظُنُّ أَنَّ إِسْبَاغَ النَّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ وَذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِ، فَإِنَّ اللهَ أَسْبَغَ نِعَمَهُ عَلَى الكَافِرِ الجَاحِدِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَارِفِ أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَيْسَ مِنَ الافْتِخَارِ التَّحْدِيثُ بِنِعَمِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّتْ﴾].
1) سيد قطب، في ظلال القرآن، م 5، ص 1790 2) صِدِّيق بن حسن القِنَّوْجي (ت: 1307 هـ)، فتح البيان في مقاصد القرآن مراجعة: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، 1412 هـ - 1992 م، ج 10، ص 288.