الحقيقة العرفية وتطبيقاتها الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٣٦الفرع الثالث: آثارها من الإجماع.
لقد جرى عرف الصحابة وإقرارهم للعادة السوية، معتبرين الشرع في ضبطها وتأطيرها، وجرى إجماعهم على ذلك، بل إنهم اختلفوا في مكان وقوع العرف والعادة، لأن لكل بلد أعرافه (1). والعرف أكثر ما يكون مستندا إلى الإجماع العملي، وهو ما تعارف إليه الناس في عصر من العصور واستمروا عليه، ولم ينكر ذلك أحد، ومن أكثر الأمثلة ذكرا عند الأصوليين، هو عقد الاستصناع، فقد عمل به
كثيرا من
الناس منذ العصور الماضية واستمروا عليه من دون أن ينكر ذلك أحد، ومستند الاستصناع وأصوله هو من العرف والإمام مالك بنى أحكامه على عمل أهل المدينة، كما أن أبا حنيفة وأصحابه اختلفوا في بعض الأحكام بناء على اختلاف أعرافهم، والشافعي لما هبط مصر غير بعض الأحكام التي كان قد ذهب إليها وهو في بغداد لتغير العرف، ولهذا له مذهبان قديم وجديد، وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف، من بينها من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث بناء على العرف (2). قال الفقهاء: "كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط فيه، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف" (3). لأن العرف بمنزلة الإجماع عند عدم وجود النص بل هو أزيد من الإجماع لأنه يدخل فيه أفراد المجتمع من غير
المجتهدين.
والعرف بإجماع الأصوليين يعد من مصادر الفقه الإسلامي، هو حجة فيما لا نص فيه، واستنبطت منه قواعد فقهية منها: القاعدة الكلية (العادة محكمة)، وقواعد أخرى مثل: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، و (الثابت بالعرف كالثابت بالنص)، و (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان)،
) محمد كمال الدين إمام وآخرين أصول الفقه الإسلامي، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت_لبنان، الطبعة الأولى، 2007 م، ص 222. 2) عبدالوهاب خلاف، علم أصول الفقه، ص 89.
3) جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: 911 هـ)، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت_لبنان، ط 1، 1990 م،
ص 98.
31