الحقيقة العرفية وتطبيقاتها الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٣٩12. استدلوا كذلك بقولهم: إن مصالح العباد لا تتحقق إلا باعتبار عاداتهم المطردة، والشارع جاء باعتبار المصالح فيلزم القطع باعتباره للعوائد.
13. استدلوا كذلك على دعواهم بقولهم: إن كل رسول سابق لرسول لا يخرج عن كونه رسولا مرسلا وكذا شريعته لا تخرج عن كونها معمولا بها بعد بعث الرسول الثاني ما لم يقم دليل ناسخ لها فإذا لم يوجد ناسخ لها فكأن الرسول الثاني يوضح ما كان الله عز وجل راضيا عنه وبذا فإن شريعة النبي السابق تكون شريعة للنبي اللاحق (1).
الذي يظهر من الأدلة أعلاه أن الفقهاء يعملون بالعرف الصحيح الموافق لقواعد الشرع، ويعتبر دليلاً شرعياً في بناء الأحكام، وترجيح الآراء بعضها على بعض، ويعتمدون عليه في تفسير الأحداث والقضايا، ويرجعون إليه في حل المشكلات، والفصل في المنازعات. ولكن بقيت مسألة أخرى وقع فيها الخلاف بينهم، وهي هل أن العرف دليل مستقل بنفسه في التشريع؟ أم أنه تابع لديل آخر؟ وعندما أقول العرف فأعني بذلك الحقيقة العرفية على وجه الخصوص والعرف على وجه العموم فهي جزء منه، ولا تنفك عنه، فما ينطبق على العرف من أحكام ينطبق على الحقيقة العرفية.
في المسألة قولان:
القول الأول: أن العرف دليل مستقل بنفسه، وهو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي لمعرفة أحكام الله -تعالى-.
وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية، حيث أنهم يصرحون بذلك تصريحا واضحا لا مرية فيه، والمتتبع
(2)
لكتبهم يجد ذلك. فيرون: " أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي. قال ابن عابدين (ت:1252 هـ)
) أوردت هذه الأدلة الأخيرة بشيء من التصرف من كتاب العرف والعادة وأثرهما في الفقه الإسلامي للشيخ إبراهيم الكندي. 2) شمس الدين السرخسي (ت: 490 هـ)، المبسوط، دار الفكر المعرفة_بيروت، 1904 هـ / 1989 م، ج 13، ص 1409.
34