الحقيقة العرفية وتطبيقاتها الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٤٣على العاقلة، وشرط الكفاءة في الزواج وكذلك على القاضي أن يأخذ العرف بعين الأعتبار عندما ترفع إليه الدعاوي، وفي النظر في الأحكام، والفصل في القضايا، كما يجب على المجتهد أيضا أن يجعل للعرف اعتباراً أصيلاً في اجتهاداته. وهذه الأمثلة كلها تندرج تحت العرف العملي، أما التمثيل على العرف اللفظي فسأتطرق إليه في أقسام الحقيقة العرفية لاحقا.
وأما الأعراف الفاسدة: هي ما تعارفه الناس ولكنه يحل حرامًا، ويحرم حلالاً، كتعارفهم أكل الربا، والتبني، والميسر، وشرب الخمر والتعامل مع المصارف بالفائدة، واختلاط النساء بالرجال في الحفلات والأندية العامة، وتقديم المسكرات في الضيافة، والرقص في الاحتفالات، وترك الصلاة في الاحتفالات العامة، أو كتعارف الناس على عقد من العقود الفاسدة، ولهذا يجب عدم مراعاة العرف الفاسد، لأنه إما أن يكون معارضاً لدليل شرعي، أو مناقضاً لحكم شرعي. لذلك لا يكون للعرف أثر في إباحة هذا الأمر، ثم يجب أن ينظر إلى هذا الأمر من زاوية أخرى، أي أن لفظ العقد أو هذا التصرف هل يعد من ضروريات الناس وحاجاتهم التي تترتب عليه تعطل مصالح ضرورية؟ بحيث أن إبطال أو ترك هذا الأمر يجعل الناس في حرج وضيق من أمرهم؟ فإن كان الأمر بخلاف ذلك فيمضي الأمر على عدم اعتبار العرف الفاسد، وأما إذا كان يشكل خطرا وضررا فإن هناك قاعدة أخرى تدخل وهي (الضرورات تبيح المحظورات) وهنا إشارة إلى أن الضرورة قانون أعلى يقضي على أحكام الشريعة كلها، والضرورة: هي الحالة التي تبلغ بالناس حد الهلاك، أو الدمار الكلي؛ وأدلة الاستثناء من أصل المنع العام لقوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطَرِرْتُمْ إِلَيهِ} [الأنعام: 119]. وكذلك الحاجة: وهي أدنى درجة من الضرورة، ومعيارها وقوع الناس في حرج شديد، ومشقة بالغة، لا تصل إلى مرتبة الهلاك، بل يغلب عسر الانفكاك عنها، إذا ما أريد نزعه عنها.
لذلك سنحتاج إلى شروط نستعين بها في تأطير وإيضاح هذه القضية، وفي حقيقة الأمر أن هذه الشروط هي شروط العرف نفسها وذلك لأن الحقيقة العرفية هي جزء من العرف بمعنى آخر أن العرف
38