هوية التاجر المزابي بالعاصمة ودوره في عملية المثاقفة داخل مجتمعه المحلي: دراسة ميدانية للتجار المزابيين بمدينة الجزائر الحاج عيسى كروم

هوية التاجر المزابي بالعاصمة ودوره في المثاقفة داخل مجتمعه ل كروم عيسى بن ح أحمد

الجزء ١ · صفحة ٤٥

الفصل الثاني:

الإطار النظري

ووصايا بعض الأمهات لأبنائهم في لقاء الوداع الاخير " يا بني، قم بأداء صلواتك بطهارتها على

الوجه المطلوب وفي أوقاتها بدون تهاون أو تراخ ليحفظك الله ويرعاك ويفتح لك مائة طريق ويجعل لك طريقا في البحر، وكن مؤتمنا في الأمانات والودائع والأوقات ليبارك الله سعيك وتكسب ثقة الناس والمال الحلال، وتزود بالدين في كل علاقاتك، فإن خير الزاد التقوى، وتجنب الأشرار وقرناء السوء وإلا صرت مثلهم فتفقدك أمك وأمتك .. وهذا يحيلنا ان الهوية في المجتمع المزابي تنشئ الفرد من بدايات العمرية الأولى على المحافظة على الصلاة مهما كان الأمر وهي تقرن النجاح بالمحافظة عليها، والمعاملة الحسنة للآخر وعدم اصطحاب فئة الأشرار ورعاية الأمانة في الأموال.

وهذه الغربة انتجت لنا شعر الحنين الى الوطن كتحصيل حاصل والذي برع فيه المزابيون في صياغة رموزه التي توحي الى ذلك كالحمام "حجامت" الذي كان يستعمل في ارسال المراسلات البعيدة، والقمر "تزيري" التي طالما تغنى بها الشعراء وخاطبوها وارسلوا معها اشواقهم، وهو دلالة على الارق الذي يصيب المغترب في لياليه وهو يتفكر اهله وأولاده ووطنه بصفة عامة ويحن اليهم، فهذا الشاعر يقول في مطلع قصيدته يخاطب فيها القمر قائلا: "اتزيري، أيور اتيفاوت ن ييضان تحواست لبرور سلميد فوغلان" أي فيما معناه أيها القمر ويا بدرا يضيء الليالي ويسيح متنقلا بين المدن أوصل سلامي الى اهل مدينتي" ثم يوصيه بإيصال السلام الى والديه أولا ثم أهله وابناءه الذين يوصيهم بطاعة امهم؛ ويلح الشاعر في مناجاته للقمر ان ينقل عنهم اخبارهم واحوالهم لعله يخفف عنه ولو الشيء اليسير عن الضيق والقلق الذي يكتنف قلبه قائلا: "أَتَزيري أَلْسِي بَسِي فَلْحَالَنِّسَنْ فَرَّجُ افْوُولِيكْ أُوشِيدُ لَخْبَارَنْسَنْ" أي "أيها البدر اقصص لي عن أحوالهم فرج عن قلبي اجلب لي اخبارهم".

وحتى المرأة تأثرت بها وظهرت في الرسوم والنقوش التي تزين الزرابي المعروفة عن المنطقة، وهذا ما يفسر التنوع الكبير في الزرابي التي تزخر بها غرداية عن غيرها من المدن الأخرى حيث تحول تلك الزربية الى رموز لها دلالات تحكي عما تلاقيه في يومياتها وتسرد حياتها في غياب الرجل على

تلك الزربية

وكذلك اللباس تأثر بها حيث ان الام تنسج لابنها المسافر عباءة من الصوف المصبوغ بألوان تعرف بـ "تيشبرت نلتش" وهي تذكار له، وقد كانت لباسا للفدائيين الذين شاركوا ضد الاسبان الذين استولوا على كدية الصابون بأعالي العاصمة، حتى إن الاسبان صاروا يرددون مثالا يشير الى ذلك وقد ادرك حمو عيسى النوري هذا المثل ابان الثورة التحريرية ورُدد كثيرا على مسامعه من طرف المعمرين

6

1 صالح بن عمر اسماوي، العزابة ودورهم في المجتمع الأباضي بمزاب، جمعية التراث القرارة غرداية، ط 1، 2005 م، ج 2، ص 404.ص 760.

45