الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ١١هذه النّظرة أو الوجهة تتناغم وتنسجم مع حقيقة الشَّرع ومنهج الإسلام اللّذين حدّدتهما الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقََ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(1)
هذه النّظرة إلى اللّغة العربيّة، وهذا المفهوم الذي أُعطِي لها، هما اللّذان دفعا بالعلماء الموجّهين المرشدين المربّين، والقادة الزّعماء في منطقة وادي ميزاب، إلى أن يهتمّوا بهذه اللّغة أداةَ بناء للفرد، وقاعدةَ تمييز للهويّة، ووسيلةَ تحصين للذّات. فخطّطوا لتحقيق هذا الغرض. فكانت هذه اللّغة جزءًا أساسًا في كلّ مخطّطاتهم في النّشاط والتّحرّك.
لكلّ ذلك ارتأينا أن نبدأ - في كلمتنا هذه - مِمّا يجب أن يُبْدَأَ به، ونحن نعرض تجربة من سبقنا في مجال خدمة اللّغة العربيّة، وجهودهم في ذلك. إنّ البداية تكون من البناء وتشييد الأسس ووضع المنطلقات؛ حتّى يُؤسَّس البنيانُ على القواعد الثّابتة، وتكون استفادتنا من العروض جيّدة ومهمّة، عسانا نوفّق إلى تصحيح أخطائنا في التّعامل مع اللّغة العربيّة في المجال التّربوي والتّكويني.
المنطلقات والأهداف
يمكن حصر هذه المنطلقات، وهي أهداف في الوقت نفسه في النّقط الآتية:
1 – التّركيزُ على الإسلام دينًا وقيمًا روحيّة وأخلاقيّة، والعروبة لغة وفكرًا وثقافة، تبرز وتسيطر وتهيمن على كلّ الميادين التي يتطلّبها الإصلاح، وتنشدها النّهضة، وتدعو إلى ذلك ضرورة البقاء وفرض الذّات، والابتعاد عن الاستلاب والهيمنة الخارجيّة …
2 - المحافظةُ على الشّخصيّة الإسلاميّة، وردّ الاعتبار للّغة العربيّة، بصفتها مقوّمًا مهمًّا وأساسًا في الهويّة. وقد حرص المربّون والمكوّنون أن تكون اللّغة العربيّة، وتبقى فصيحة نقيّة في الألسنة؛ للوقوف أمام موجات المسخ والفسخ والتّشويه والتّضليل … لذا كان الحفاظ عليها هدفًا من أهداف الحركة الإصلاحيّة. وقد اتّخذ هؤلاء الموجّهون المربّون من القرآن الكريم حجر الزّاوية في بناء الشّخصيّة الإسلاميّة العربيّة الجزائريّة، إلى جانب
(1) - سورة الأنعام، الآية: 153.