الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ١٣الغوص والإدراك، أمّا إذا كان ناقصًا في علوم العربيّة، فإنّه لا يستطيع أن يتعمّق في فهم القرآن."(1)
أساس الانطلاق يجب أن يكون صحيحًا، فمن أراد أن يقول شيئًا في كتاب الله، الذي نزل باللّغة العربيّة، عليه أوّلاً أن يتكوّن ويتمكّن في هذه اللّغة. تقرير الشّيخ بيّوض لهذه القاعدة، هو في الحقيقة توجيه لتحديد المنطلق في البناء والتّكوين، الذي يعقب نجاحًا وفلاحًا في الممارسة في الميدان.
ينقل الشّيخ بيّوض تجربته، ويسجّل نتائجها: " وأعزو نجاحي في تفسير القرآن إلى الله تبارك وتعالى، الذي يوفّقني كثيرًا، وأعزوه كذلك إلى حصيلتي من العلوم العربيّة، التي اعتنينا بها في معاهدنا أيّام التّلمذة، وفي مدرستي معهد الحياة، الذي درّست فيه مدّة طويلة العلوم العربيّة، فازددت لها إتقانًا. إنّ هذه الذّخيرة في العلوم العربيّة هي النّافعة لي في التّفسير، ومن فقدها يتعثّر، لا يستطيع أن يسلك في الطّريق بيسر، لهذا فإنّ من يدّعي أنّ شيئًا قليلاً من العلوم العربيّة يكفي غالطون في دعاويهم. صدق من سمّى علوم العربيّة علوم القرآن، التي تخدم القرآن. فبالنّحو والصّرف والاشتقاق والبلاغة خدم أوائلنا القرآن، وهي حقًّا أدوات التّفسير، ومن أوتيها وأوتي فهمًا وذكاءً، فإنّه يستطيع السّير في التّفسير كأنّه على فرس سابق، لا على حمار أدبر، إنّ تجربتي دلّت على ما أقول."(2)
هذه التّجربة في التّعامل مع اللّغة العربيّة، بداية من تعلّمها، ومرورًا إلى تعليمها، ثمّ تقدّمًا إلى توظيفها في الميدان بوعي وإحكام ودراية، يدلّ على أهميّة هذه اللّغة في الحياة. ويكشف عن الاهتمام الكبير بها مقوّمًا أساسًا، ومُعطًى مهمًّا في البناء والإعداد. تسجّل التّجربة – أيضًا - الفضل للموجّه والمربّي في خدمة هذه اللّغة، والمحافظة عليها.
لم يكتفِ الشّيخ بيّوض بهذا الإرشاد، وهو يدعو إلى الاعتناء بالتّمكّن من اللّغة العربيّة، فأردف قائلاً: "وكذلك دراسة الأدب العربي البليغ، وحفظ الكثير منه، شعرًا ونثرًا، ممّا يجب على من يريد التّمكّن من العربيّة؛
(1) - محمّد عليّ دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1398هـ/ 1978م، ص: 129.
(2) - المصدر السّابق، ص: 129، 130.