الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ١٤ليستطيع الوعظ والخطابة وتفسير القرآن. وهذا ما وفّقني الله إليه، فقرأت الكثير من الأدب، وحفظت منه الكثير، لا سيّما شواهد النّحو والصّرف والبلاغة في الكتب القديمة، التي درسناها على مشايخنا رحمهم الله. إنّ هذه الشّواهد أدب بليغ، وهي تحفظ قواعد النّحو والبلاغة في النّفس. إنّ هذه الثّروة الأدبيّة من المحفوظ تمدّ الإنسان في التّدريس وفي الوعظ والخطابة … فمن بدا له أن يستغني عن هذه الثّروة، فيزهد فيها، فإنّه لا يتعمّق، ولا ينفذ إلى الأسرار، ولا يتفقّه في اللّغة العربيّة، ولا يتشرّب روحها … إنّ كلّ العلوم النّافعة تخدم القرآن، وهي أدوات المفسّر، ولكنّ العلوم العربيّة في مقدّمتها، فواجب على من أراد تفسير القرآن أن يتقنها إتقانًا كبيرًا. "(1)
التّركيز في النّصّ كان على (التّمكّن من اللّغة العربيّة، وإتقانها إتقانُا كبيرًا) إنّ هذا لا يدلّ إلاّ على شيء واحد، هو: إنّ اللّغة العربيّة علم لابدّ أن يعتني به ويولى أهميّة كبيرة وخاصّة، مادام هو الأساس والمعتمد والمنطلق في فهم كتاب الله العزيز، الذي هو الدّستور الذي يوجّه حياة المؤمن، فما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. فالتّرابط بين اللّغة العربيّة والقرآن الكريم قويّ ومتين، والصّلة بينهما وثقى لا تنفصم ولا تنفصل.
يسجّل الشّيخ محمّد عليّ دبّوز (1919 – 1981م) شهادة تبيّن العناية التي كان يوليها أستاذه الشّيخ بيّوض للّغة العربيّة، وهو يعدّ طلبته الإعداد السّليم، ويبنيهم البناء الصّحيح، ويهيّئهم لحمل الرّسالة الثّقيلة، والأمانة العظيمة، والمرتكز كان اللّغة العربيّة، يقول عن شيخه: " يقول لنا في درس دلائل الإعجاز في البلاغة، وفي درس الأمالي في الأدب: إنّ غرضي من هذه الدّروس أن أنشئَ عقولاً تفهم بلاغة القرآن، ونفوسًا دارعة بعدّة الفصاحة والبلاغة. إنّ جهادنا يستلزم هذه العدّة … "(2)
إنّ همّ الشّيخ بيّوض انصبّ على الإنشاء، وإعداد العدّة، وتوفير الدّروع. فالظّرف ينشد ذلك، والمعركة تطلب هذا. والجهاد يستلزم مثل هذا
(1) - المصدر السّابق، ص: 130.
(2) - محمّد عليّ دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1389هـ/ 1969م، ص: 38.