الميزابيون والبناء الحضاري محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الميزابيون والبناء الحضاري

الجزء ١ · صفحة ١٦

ركزّ كثيرًا على نظرة النّاس إلى اللّغة العربيّة، وتصحيح علاقتهم بها. وهو في هذا السّبيل، وفي أمثال هذه المواقف يلجأُ إلى من هو القدوة، ومحلّ ثقة، كالرّسل، يستمدّ منهم الدّليل على ما يدعو إليه. فنصح الخطيبَ الذي يقف أمام النّاس ليحدّثهم عمّا أوحى به الله - عز وجل - إلى رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وما أُمِرَ به عبادُ الله، ونبّهه إلى ضرورة الارتقاء إلى مستوى كبير في اللّغة وصوغ الكلام الفصيح، فقال: " أخي الخطيب، عليك أن تعلم أنّ صوغ الكلام الجيّد الفصيح أصعب من نحت الحجر، ونقل زبر الحديد؛ لذلك قال الشّاعر العربي: إنّه ليمرّ عليّ وقت لنزع ضرس أسهل عليّ من قول بيت. وأجاب عبد الملك بن مروان الذي سأله: ما الذي شيّبك، قائلاً: شيّبتني المنابر.

فليجعل كلّ خطيب قياسه في الإجادة هذا المقياس، وما لم يصبه ما أصاب الفحول الأوفيّاء للغة القرآن، فليعلم أنّه لا يزال في طور الهذيان. كما قيل في عمر ابن أبي ربيعة: لا يزال هذا الطّفل يهذي حتّى قال شعرًا."(1)

التّكوّن القويّ في اللّغة العربيّة، والصّياغة الصّحيحة ضروريّان لمن يريد تبليغ ما جاء على لسان تلك اللّغة القويّة، وإلاّ بقي صاحبها في مستوى الهذيان، وظلَّ بعيدًا عن الوفاء للغة القرآن. هذا التّنبيه يدخل في إطار الدّعوة إلى الاستعداد أو الإعداد القويّ: " فمن الطّبيعي والبديهي أنّ الدّستور الذي صيغ بالفصحى، سوف لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربيّة، ويمتلكون ناصيتها، ويسبرون غورها، لا الغوغاء الشّبيهة بالأعاجم أو العجماوات في نطقها، ولا المبرّزون في اللّغات الأجنبيّة، التي غزت حتّى اللّهجات المحليّة، ولم تترك لإحداها ذاتيّة ولا مصداقيّة."(2)

بعد أن أكّد الشّيخ حمّو على واجب الاهتمام باللّغة العربيّة والانتصار لها، بيّن أنّ هذا يتطلّب خطوة أخرى أكثر نجاعة، وأبين برهنة على الوفاء للخطّ، وهو التّكوّن فيها، والتّخرّج على الطّريقة التي تؤهّل للتّعامل معها في الحياة العمليّة بقوّة. فقال: "وإنّما كانت الصّياغة عزيزة المنال لأنّ الكتابة

(1) - حمّو بن عمر فخّار، من خطب الجمعة (1)، نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر، (د. ت)، ص: ط.

(2) - المصدر السّابق، ص: ي.

١٦ / ١٣٠