الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ١٧والخطابة تحتاج إلى الاستيلاء على ناصية اللّغة العربيّة؛ بامتلاك مفاتحها، ولن يتأتّى ذلك إلاّ لمن قضى العمر في السّياحة في رياض مغانيها، والسّباحة في حياض لآليها، وامتصاص رحيق الأزهار كالنّحل من روابيها، ذلك ما أهمله اليوم النّاطقون بالضّاد، وراحوا يلحنون كالأعاجم في كلّ ناد، ويهيمون بها في كلِّ واد.
لا يا قوم، لا يجوز بحال أن نخبط خبط عشواء في اللّيلةِ الظّلماء عندما نتحدّث بلغة السّماء، وتنطق ألسنتنا بفصاحة سحبان، إذا تحدّثنا بلغة الأجنبي ولغة الدّهماء.
يجب أن نصرّ على النّطق بلغة العرب الأقحاح، كما لو أنّنا بسوق عكاظ، لا لأنّ لها حلاوة، وعليها طلاوة فحسب، بل لأنّها لغة السّماء للأرض، التي كتب لها الخلود إلى قيام السّاعة، قدّسها الملك القدّوس؛ بصوغ رسالته الأخيرة للعالمين في قالبها، وصبغها بصبغته ﴿ … ومَنَ اَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً … ﴾(1) وأضفى عليها ثوبًا قشيبًا من كماله وجماله وجلاله، ثمَّ أنزلها دستورًا على محمّد - صلى الله عليه وسلم - من فوق سبع سموات."(2)
هنا يظهر دور التّوجيه الذي قام به هؤلاء المرشدون الواعون لرسالتهم في الوجود، والحاذقون لما يجب الاهتمام به، ولما ينبغي البدء به والتّركيز عليه. وهنا ينكشف دورهم في خدمة اللّغة العربيّة بصدق وثبات وتخطيط محكم واعٍ. للقيام بهذا الواجب خطّطوا لتجسيد هذا التّوجيه ممارسة فعليّة. فكيف طبّقوه؟
الممارسة والتّطبيق
اتّخذ التّوجيه طابع الممارسة الفعليّة، بواسطة المسجد والمدرسة والنّادي الأدبي والصّحافة والبرامج الثّقافيّة … فمعهد الحياة(3) – مثلا - الذي أنشئ أصلاً لخدمة الثّقافة الإسلاميّة، اعتنى مؤسّسوه باللّغة العربيّة مادة رئيسة في مناهجه. وأوجدوا وسائل مساعدة ومكمّلة لرسالة التّعليم في خدمة اللّغة
(1) - سورة البقرة: الآية: 138.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: ك، ي.
(3) - أسّسه فضيلة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض سنة 1343 هـ/ 1925م) في القرارة، الجزائر. وما يزال قائمًا، يؤدّي رسالته التّربوية والتّعليميّة والدّعويّة.