الميزابيون والبناء الحضاري محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الميزابيون والبناء الحضاري

الجزء ١ · صفحة ٢٩

كان من أهداف روّاد هذا النّادي المحافظة على الأدب العربي والدّفاع عنه؛ بالاهتمام به ومدارسته، حتّى يضمنوا له البقاء، ويقدّموا للنّشء النّهج الصّحيح في الاستعداد لخوض معترك الحياة بالعدّة الصّحيحة، التي من مكوّناتها التّزوّدُ بالأدب العربي، خيرِ الزّاد. فهم مسؤولون عن تربيته وتكوينه ورعايته وتوجيهه التّوجيه السّليم … بقول الدّكتور عبد الملك مرتاض: " فلا تقوم للأدب قائمة، ولا تربح له سوق، ولا تخفق له راية، حتّى يكون له رجال ينافحون عنه، ويدافعون عن كيانه، ويحتفون بشخصه. ثمّ لا يكون لهؤلاء الرّجال شأن حتّى يكون لهم أمكنة يضطربون فيها، ونوادٍ يغشونها آناء اللّيل وأطراف النّهار. وبعبارة أخرى قد تكون أوضح، فإنّ الظّاهرة الأدبيّة، كالظّاهرة التّاريخيّة سواء، لا يكون لها وجود ما حتّى ينبغي أن تكون ذات مكان وزمان. "(1)

إنّ النّادي لم يستمرّ طويلاً؛ بسبب الارتباطات الكثيرة التي كانت في عهدة هؤلاء المشائخ، الذين هم روّاد النّادي، الشّيخ أبو اليقظان سافر إلى تونس، والشّيخ بيّوض هو مشغول بعمليّة الإصلاح، فلم تسمح له أعماله الكثيرة من مواصلة حضور جلسات النّادي … يقول الشّيخ عدّون: " حضر الشّيخ (أبو اليقظان) جلستين أو ثلاثًا للنّادي فسافر وتركه لنائبه الشّيخ بيّوض، فسافر أيضًا كما تقدّم، فانقطعت الجلسات بسفرهما وبأشغال الخريف، الذي ينصرف فيه النّاس إلى جذاذ التّمر، فتفتر الدّراسة. ثمّ استئنفت في بعض ليالي الشّتاء، ثمّ انقطعت نهائيًا، فتوقّف المشروع. ولكنّ تلك الجلسات على قلّتها تركت أثرًا كبيرًا في حياة الأعضاء الأدبيّة، وفي مستقبل الحركة العلميّة بالقرارة. والمشروع وإن مات كجسم فإنّه حيّ خالد كروح."(2)

فعلاً كان لهذا النّادي استمرار، بجمعيّات الشّباب التي أسّسها الشّيخ عدّون سنة 1926م، بعد نشأة معهد الحياة بالقرارة، التي كانت سنة 1343هـ/ 1925م. وقد كان لهذه الجمعيّة دور كبير في تنشيط الحركة الأدبيّة، وفي تكوين الطّلبة أدبيًّا بخاصّة. كما سنرى في الصّفحات الآتية.

(1) - الدّكتور عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر (1925 – 1954م) الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: 33.

(2) - معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 45.

٢٩ / ١٣٠