الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٣٠كما كان لأعضاء النّادي الأدبي أدوار مهمّة وكبيرة في تنشيط الحركة العلميّة وتطويرها في القرارة بخاصّة، وفي منطقة وادي ميزاب بعامّة. فكما قال الشّيخ عدّون: حتّى ولو مات المشروع جسدًا، وتوقّف النّادي عن النّشاط، فإنّ الرّوح التي بها ولد وتحرّك ونشط لم تمت، بقيت حيّة، تنتظر من ينفخها فيحيا المشروع من جديد، وهذا ما حصل.
إنّ هذا الدّور الذي قام به النّادي الأدبي، رغم قصر المدّة التي بقي فيها حيًّا، والنّتائج التي جناها المجتمع من الأعضاء الذين كانوا ينشطون فيه، يبيّن ما للرّابطات والمجامع العلميّة والأدبيّة من أهميّة في التّكوين والإعداد، والاستعداد للانضمام لقافلة العاملين في دروب الحياة.
نذكر أيضًا في هذا السّياق نادي التّرقي الذي أنشأته الحركة الإصلاحيّة في الجزائر العاصمة سنة 1927م، فإلى جانب احتضانه المحاضرات والنّدوات التي يقيمها العلماء والمفكّرون، أي كبار القوم. كان يفتح المجال للشّباب والنّاشئة كي تعرض أعمالها الأدبيّة، وتتدرّب على نظم الشّعر وإلقاء الخطب، وتشارك بالأعمال العلميّة وغيرها … من هذه النّاحية يعدّ مجالاً للتّكوّن والتّعلّم والتّثقّف، وتنمية المواهب واستثمار الطّاقات الإبداعيّة … إذ فيه كان يُتحاور في قضايا فكريّة وعلميّة وأدبيّة وسياسيّة … وفيه كان يُتبارى في الفصاحة وإظهار التّفوّق البياني، والبحث العلمي …
إذن كان للنّادي: " دور أساسي في الحركة الوطنيّة؛ لكونه شكّل منارة ثقافيّة ومركز إشعاع حضاري، وذا بعد عربي إسلامي … وقد لعب دورَا ثقافيًّا وسياسيًّا بارزًا على السّاحة الجزائريّة … كما كان مكانًا للعديد من الاجتماعات واللّقاءات التي كان لها أثر على مسيرة الجزائر وحتّى على بلدان المغرب … "(1) إلى جانب دوره في تكوين النّاشئة علميًا وأدبيًّا واجتماعيًّا ووطنيًّا …
يقول عنه الدّكتور عبد الملك مرتاض: " لا يغالي الباحث في جوانب نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، أثناء العقد الرّابع من هذا القرن، أن يعدّ نادي التّرقّي بمدينة الجزائر، بل في مجموع الوطن كعكاظ في الجاهليّة في جزيرة العرب، والمربد في البصرة، أثناء القرن الأوّل
(1) - شخصيّات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 117.