الميزابيون والبناء الحضاري محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الميزابيون والبناء الحضاري

الجزء ١ · صفحة ٣١

الهجري. فقد كان هذا النّادي مأقطًا عظيمًا، يطفح بالنّشاط الأدبي، ويفيض بالخصب الفكري، ويكتظّ بالعلم والعلماء، ويحفل بالخطب والخطباء."(1)

في الحقيقة إنّ النّوادي والجمعيّات الثّقافيّة التي وجدت في ثلاثينيّات القرن العشرين في الجزائر، كان لها فضل كبير في النّهضة الجزائريّة الحديثة. إنّ فترة الثّلاثينيّات كانت فترة عصيبة على الجزائر؛ نتيجة المخطّطات التي كانت توضع لتدمير الشّخصيّة الجزائريّة، والمؤامرات التي كانت تدبّر للقضاء على الهويّة العربيّة الإسلاميّة للجزائر، وبسبب ضعف بعض الفئات الجزائريّة في جانب الانتماء والولاء للوطن؛ نتيجة ما كان يتعرّض له الشّعب من كلّ ما ذكرنا، وبسبب نقص الهياكل التي تحمي الشّعب من الذّوبان والانخذال … وهو ما دفع العلماء والمفكّرين وأحرار البلاد إلى المرابطة في الميدان بكلّ الوسائل الممكنة؛ لحماية الشّباب والنّشء بخاصّة من هذا الاستلاب … فكان من بين الوسائل تأسيس نوادٍ لتقوم بهذه المهمّة وهذه الرّسالة. يقول الدّكتور عمّار هلال: " إنّ النّوادي الثّقافيّة التي كانت تنشط في فترة الثّلاثينيّات، كان لها تأثيرٌ كبير على أكثر من مجال. من ذلك المجال التّعليمي والرّوحي والسّياسي. ولم يقتصر تأثيرها على الجزائريّين المتعلّمين باللّغة العربيّة، بل مسّ كذلك بعض الفئات الأخرى التي تعلّمت بغير اللّغة العربيّة، بحيث تمّ صهرها في بوتقة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة نهائيًا، فتحوّلت هذه الفئات، وغيّرت موقفها السّابق، الذي كان إمَا غير مبالٍ أو غير مقتنع، إلى مواقف محسوسة ثابتة … "(2)

هذه بعض الآثار التي سجّلها الدّارسون لدور الجمعيّات والرّابطات والنّوادي والمجامع لتكوين الطّالب، والسّائر في طريق التّعلّم، ولمن يبغي المزيد - دومًا - من العلم واكتساب المعرفة. وهذه بعض النّتائج التي سجّلها القائمون على هذه الفضاءات والمراكز. هي في جملتها تقدّم صورة واضحة ومهمّة عن أهميّتها في درب العلم.

استكمالاً لهذه الصّورة نقدّم لطالب العلم تجربة، أمدّت مجال التّكوين والإعداد برصيد مهمّ في منهجية التّوجيه التّربوي والتّنشئة العلميّة والتّرقية الأدبيّة، كما قدّمت أعدادًا من الرّجال الذين رفعوا الرّايات والألوية خفّاقة في سماء المعرفة، والعمليّة التّربويّة، والعمل الاجتماعي وغيرها … هذه التّجربة تتمثّل في جمعيّة الشّباب التّابعة لمعهد الحياة بالقرارة بالجزائر.

إنَّ رسالة معهد الحياة في إعداد رجال الحياة كبيرة ومتنوّعة، ترمي إلى تكوينهم بقواعد صلبة، وعلى أسس متينة وقويّة، وذلك بتزويدهم بالمعارف الضّروريّة، وتمكينهم من الأدوات التي تهيّئهم لخوض معترك الحياة بقوّة وثقة في النّفس.

من المجالات التي هي مناط اهتمام المعهد ميدان اللّغة العربيّة والحقل الأدبي؛ حرصًا منه على خدمة الثّقافة الإسلاميّة، والمحافظة على الشّخصيّة الأصيلة الحقيقيّة. إنّ العمل على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحة، والتّمرّس على الأساليب الأدبيّة الرّاقية هو جزء من رسالة المعهد.

إنّ معهد الحياة الذي وجد أصلا ليقوم بِهذه الرّسالة النّبيلة، هيّأ لها وسائل ليحقّق من خلالها أهدافه، ويمضي قدمًا في بناء شخصيّة طلبته من المقوّمات الأساسيّة، التي تحكم وتوجّه المجتمع الذي ينتمون إليه، فسار في ميدان الممارسة العمليّة في التّنشئة والتّكوين أشواطًا، فأنشأ جمعيّة الشّباب وجريدة الشّباب سنة 1345عـ/ 1926م، أي بعد عام من تأسيس معهد الشّباب (معهد الحياة).

يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: " وقد يكون الشّيخ أبو اليقظان وكبار الطّلبة الميزابيّين في تونس ممّن أوحى بهذه الجمعيّة، فراق للطّلبة إنشاؤها، ورأوا فيها خيرًا كبيرًا لأنفسهم وللمعهد. وحبّذ الشّيخ بيّوض هذه الجمعيّة. وكان الشّيخ عدّون أكثر الطّلبة حماسًا وجدًّا لإنشائها. فنشأت في سنة 1345هـ 1926م، بعد عام من نشأة المعهد، فسمّوها (جمعية الشّباب)، وانتخب مدير المعهد الآن وناظره حينئذ الشّيخ عدّون رئيسًا لها(3)،

(1) - نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، ص: 33، 34.

(2) - الدّكتور عمّار هلال، أبحاث ودراسات في تاريخ الجزائر المعاصرة (1930 – 1962م)، ص: 269.

(3) - توفّي يوم 19 من رمضان 1425هـ/ 02 من نوفمبر 2004م.

٣١ / ١٣٠