الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٤٩صاحب الحقّ، وهو الشّعب الجزائري كلّه.” (أعمالي في الثّورة، ص: 35، 36)
جرأةٌ لا تصدر إلاّ من قلب شجاعٍ، يؤمن بواجبه الدّيني في الجهاد لصدّ كل عدوان على الوطن مهما يكنْ نوعه، وحسٌّ وطني لا يسكن إلاّ نفسًا أبيّة عصيّة على كلّ مكر ومؤامرة، وتدبيرٌ لا يأتي إلاّ من رؤية تتّصف وتصدر عن وَحدة وشموليّة في المعالجة … هذه هي وجهةُ الشّيخ بيّوض ومن معه من أصدقائه وأبنائه الذين صنعهم على عينه، وِجْهَتُهُمْ قبلة الوَحدة والاتّحاد وعدم الابتعاد عن الحماعيّة في التّفكير والتّدبير والتّحرّك والنّظر إلى قضايا الوطن ..
أكّد الشّيخ بيّوض لكلّ من حاوره وناوره وحاربه وجاوره … في موضوع قبول الميزابيّين بفصل الصّحراء بعامّة، ومنطقتهم بخاصّة عن التّراب الوطني الجزائري .. وبيّن لهم بالتّاريخ والمنطق والواقع والمصير والمآل أنّ هذا العرض مرفوض جملة وتفصيلاً: “ … لكنّهم كانوا يجدون منّي عودًا صلبًا لا يلين. وإنّما أحاورهم بالمعقول والمنطق. ومن أقوى ما اعتمدت عليه هو أنّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنّ عروق اقتصاده ضاربة في كلّ بقعة من بقاع أرض الجزائر منذ قرون قبل أن تقدموا أنتم إلى هذه البلاد، وأنّه مدين للجزائر في بقائه، وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطّبيعة القاسية في بلاده ولا يزال، فلن يستطيع الميزابي أن يرى نفسه يومًا ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم – لا قدّر الله – فإنّه يوم القضاء المبرم على بني ميزاب. بهذا المنطق كنت أَدْفَعُ محاولاتهم، فرجعوا بخفّي حنين والحمد لله.” (أعمالي في الثّورة، ص: 38، 39).
انفصال ميزاب عن الجزائر هو قضاء مبرم على حقيقة الميزابي الجزائري المتجذّر بعروقه في وطنه الجزائر. ما يريد الشّيخُ بيّوض تأكيدَه – نقلاً لتفكير الميزابيّين وشعورهم، وتعبيرًا عن معتقدهم في الموضوع – أنّ انتماءهم إلى الجزائر أصيل، وعلاقتهم بالوطن متأصّلة، وارتباطهم