الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٥٣تَقَدَّسَ واديكَ، منبتَ عِزِّي … ومَسْقِطَ رأسي، وإلهامَ حِسِّي
وَرَبْضَ أبي، ومرابِعَ أُمِّي … ومَغْنَى صبايَ، وَأَحْلامَ عُرْسِي
وفَخْرَ الجزائرِ، فيكِ تَنَاهتْ … مَكارِمُ عُرْبٍ، وأمْجادُ فُرْس
وأَحْفادَ أوّلِ منْ رَكَّزُوا … سِيادَةَ أَرْضِ الجزائِرِ أَمْس
دِماءُ ابن رُستُمَ مِلْءَ الحنايَا … صَوارِخُ، يُلْهِبْنَ … عِزَّةَ … نَفْسِي
(إلياذة الجزائر، ص: 54، 55)
يعتزُّ الشّاعر (كغيره من الميزابيّين مع بقيّة الجزائريّين) بالدّولة الرّستميّة ورجالها الذين هم أجداده، قارنًا هذا الاعتزاز بأرضه الجزائر، هذه الدّولة التي كانت أوّل دولة إسلاميّة مستقلّة في هذه الأرض الطّيّبة، والتي كان لها دور كبير في قهر فرنسا في مفاوضات إيفيان، حين ادّعت أنّ الشّخصيّة الجزائريّة لم تكن موجودة قبل وصول الفرنسيّين إلى هذه التّربة الزّكيّة واحتلالها؛ لأنّ الجزائر لم يكن لها كيان دولة، قبل سنة 1830م، تاريخ احتلال فرنسا لها، فكان قيام الدّولة الرّستميّة حجّة داحضة لدعاوى المحتلّ، فسُقِطَ في يده واندحر وخسر المعركة. هذا الإنجاز أو الإرث التّاريخي سجّله مفدي زكريّاء الميزابي مقرونًا بصفته الوطنيّة الجزائريّة.
هذه المعاني، وهذه الدّلالات هي التي جعلت شيخ الصّحافة الجزائريّة الشّيخ إبراهيم أبا اليقظان يخاطب الشّعب الجزائري في أوّل افتتاحيّة لأولى جرائده (وادي ميزاب) وفي أوّل صفحة فيها، سنة 1926م؛ مركّزًا على اللّحمة التي تربط كلّ الجزائريّين فيما بينهم، ومعبّرًا عن ارتباطه وأبناء ميزاب كلّهم بالوطن الكبير الجزائر الغاليّة: " أيّها الجزائري المسلم! إنّك أخو الجزائري المسلم؛ دينًا ولغةً وجنسًا ووطنًا، وسرورًا وألمًا، فلا تظن – وقد ربطت بينكما تلك الصّلاتُ المتينة العُرَى – أنّ دينَك غيرُ دينِه، ولغتَكَ غيرُ لغتِه، وجنسَك غيرُ جنسِه، ووَطنَكَ غيرُ وطنِه، وسرورَك غيرُ سروره، وألمَكَ غيرُ أَلَمهِ. فتعيشَ وإيَّاهُ كما يعيش الزّنجي والإسكندنافي.