الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٥٤كلاَّ أيّها العزيز! إنّك بأخيك تعيش عزيزًا، وبدونه تعيش ذليلاً، إنّك بأخيك كثير، وبدونه قليل، وبقوّتك الإيجابيّة وقوّته السّلبيّة تتولّد الشّموس الكهربائيّة، فتضيءُ بلادك العزيزة، وبدونها تبقى في ظلام من ليل بهيم، لا تدري من أنت، ولا في أيّ عصر أصبحت، ولا في أيّ أرض صرت.
أيّها الجزائري العزيز! أنت شقيق الجزائري الرّوحي، أبوكما الإسلام، وأمّكما الجزائر، فلكما وعليكما نحو بعضكما من الحقوق والواجبات ما للأشقّاء وعليهم. أليسَ كذلك؟! …
أيّها الجزائري! إنّ الدّين يدعوك، والجزائر تستفزّ همّتَك، وقوميّتَك تناديك بصوتها الرّخيم، إلى الاستقامة، إلى العمل، إلى الاتّحاد. فإنّ السّعادة في انتظارك في محطّة العزّة والفخار." (جريدة وادي ميزاب، العدد الأوّل. يوم: 01/ 10/1926م.
أبو اليقظان الميزابي، يخاطب الإخوة باسم الجزائر، ويدعوهم إلى التّحلّي بالقيم التي تبني النّفوس، وتؤسّس للعمل الحضاري باسم الجزائر. فلا يمكن له أن ينفصل عن هذه القيمة، قيمة الارتباط بالوطن الكبير، ولا يمكن أن يتفصَّى عن الوثاق الذي يشدّه إلى بني وطنه، ولا يمكن أن ينأى بنفسه عن الشّعور الوطني الذي يتدفّق من كيان الجزائر.
أخلاف الشّيخ أبي اليقظان بقوا في النّهج، وساروا على الدّرب، وحافظوا على هذه القيمة الحضاريّة، قيمة التّفكير بالرّوح الوطنيّة، والتّدبير بمبدأ التّعاون، والتّخطيط بمسلك التّشاور .. والتّعايش بمنهج التّماسك .. على أرض واحدة هي الجزائر. قلتُ مخاطبًا الشّعب الجزائري في قصيدة، منها هذه الأبيات:
نَرْتَقِي مِنْ … مُسْتَنْقَعٍٍ … يَحْكُمُهُ … التَّمَذْهُبُ
فأَبُوك … دينٌ، حَبَا … كَ بِهِ … الرّبُّ الأَطْيَبُ
أمُّكَ … حِضْنٌ في تُرا … بِ … الجزائرِ أرحبُ
الرّوح التي ظهر بها الشّيخ أبو اليقظان، وهو يتحرّك في نشاطه في دوائر محكمة الصّلة، مترابطة الحلقات، جعلت الشّيخ ابن باديس يقدّم وصفة أو لوحة دقيقة لشخصيّة أبي اليقظان التي تتمتّع بالحسّ الوحدوي