الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٥٦ولن يخطر ببال رجل ميزابي سويّ، ولا بعقل ميزابي أبيّ، أن يظهر بصفة غير الجزائري، بكلّ مقوّمات المواطن الجزائري .. فانتشار الميزابيّين في كلّ بقعة من بقاع الوطن الجزائري، ووجودهم في كلّ قطاع في الدّولة الجزائريّة، ومشاركاتهم في مختلف المجالس والهيئات الجزائريّة، ودورهم الفعّال في اقتصاد الجزائر، وآثارهم في مختلف الميادين التي تمثّل الثّقافة الجزائريّة، وحضورهم في مختلف المجالات التي تأخذ طابعًا سياسيًّا وغيرها .. كلّ هذه المظاهر تبرز مكانهم في عمق الجزائر، وتبيّن مكانتهم في مسير الجزائر ومصيرها. هل يمكن أن نقول بعد كلّ هذا: إنّ ميزاب يمكن أن ينفصل عن الجزائر، وهو جزء من كلّ، وغصن من شجرة، وفرع من أصل. فالصّوت الذي ينادي بهذا الخور وهذا الطّلب المتهوّر الدّنيء .. هو صوت ناشز شاذ، صوت من يبحث عن حتفه بظلفه، ومن يحفر قبره بنفسه، ومن يريد أن يقضي على حياته بذاته .. محاولاته تبوء بالخسران المبين، وتحرّكّاته تصطدم بقوّة الرّجال الصّامدين، في سبيل الحفاظ على وحدة الصّفّ والتّراب والمشاعر والوجدان.
الجزائر كانت محفورة في أعماق نفوس الميزابيّين، وهذا أمر طَبَعِي، فهم أبناء هذا الوطن المفدّى، وهم من سلالة جدود هذه البلاد. فالطّلبة في معهد الشّباب (معهد الحياة الذي تأسّس سنة 1925م، وما يزال يواصل رسالته الحضاريّة في أرض الجزائر الأبيّة) أنشؤوا جريدة الشّباب سنة 1926م، وكانوا ينشرون فيها إبداعاتهم. كان من بين الموضوعات التي كتبوا فيها موضوع الوطن الجزائري. كان للجزائر: الوطن والتّراب والشّعب والأمّة والحضارة والتّاريخ والنّهضة … اهتمام كبير وعناية خاصّة من الكتّاب الطّلبة النّاشئبن، عبّروا من خلال ما كتبوه عن اعتزازهم بوطنهم، واستمساكهم به، ومعاهدتهم على الدّفاع عنه.
من الموضوعات التي كتبوا فيها (الوطنيّة)، من هذه المقالات ما يأتي: "الواجب الوطني"، و" ما هي الوطنيّة"، "ووطني"، و" نشأة المرء في عيشة وطنيّة"، و" تضليل الشّعوب تثبيت للسّياسة الاستعماريّة". كما كتبوا عن عظمة الجزائر، وعن فجر نهضتها، وعن زعمائها في الشّمال والحنوب .. . (ينظر دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ص: 179، 180)