الميزابيون والبناء الحضاري محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الميزابيون والبناء الحضاري

الجزء ١ · صفحة ٦٣

وجدوا فيها تحقيقًا لأغراضهم، التي كانوا يدافعون عنها؟! وهي إصلاح المجتمع من الفساد والبدع والخرافات، ووجدوا فيها الوسائل التي كانوا يستعملونها في سبيل تحقيق الأهداف السّاميّة؛ من إنشاء المدارس للتّربيّة والتّعليم، ونشر اللّغة العربيّة، وتأسيس النّوادي للتّثقيف وبثّ الوعي، واتّخاذ المساجد منابر لنشر الدّعوة الإسلاميّة، والدّفاع عن الدّين، وإقامة جمعيّات خيريّة ثقافيّة؛ للمحافظة على المشاريع وغير ذلك …

هذا الشّيخ إبراهيم بيّوض - ومن معه من العلماء العاملين في مختلف قرى ميزاب - يعتمد تلك الوسائل لتربيّة النّشء، وتكوين الرّجال، وبناء النّفوس.

هذا الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان يلج ميدان الصّحافة بكلّ عزيمة وقوّة لرفع المهانة والذّلّة عن الشّعب الجزائري المسلم، وقد عاضده رجال عاهدوا أنفسهم على بذل النّفس والنّفيس في سبيل النّهوض بالشّعب الجزائري.

هذا الشّيخ محمد الطّرابلسي، معلّم الأجيال، ينتقل بين المدارس، يعلّم ويربّي. كلّ هؤلاء – إباضيّون – هم أعضاء في جمعيّة العلماء.

أينسحبون من الجمعيّة وقد وجدوا آمالهم تتحقّق؟! أيتخلّون عنها وقد وجدوا الجوّ الملائم لعرض أفكارهم، التي هي أفكار زملائهم من العلماء والمربّين؟! أيتركون الجمعيّة وقد وجدوا المساعدة الكاملة من أندادهم؟! لا أحسب أنّ أيّ عاقل يفوه بمثل ما قاله الزّاهري …

يقول الأستاذ محمد علي دبوز عن الشّيخ الطّرابلسي: " … وكان شجاعًا فصيحًا صريحًا، معتدًّا بنفسه كلَّ الاعتداد، يشمخ على المتكبّرين والأغنيّاء والحكّام الذين يحتقرون العلماء. وهو ممّن أنشأ جمعيّة العلماء، وكان عضوًا عاملاً فيها، إلى أن توفّاه الله …

وكان في أثناء ذلك (وهو في مدرسة الإخاء ببسكرة) يلقي دروسه وخطبه في المجامع والحفلات، في مدن الشّمال التي يزورها، وينشر دعوة جمعيّة العلماء."(1)

أيّها الأستاذ المحترم، زهير الزّاهري! أتعتبر وفاة شخص انسحابًا من منظّمة كان يعمل فيها؟! إنّ العكس هو الصّحيح. إنّ بقاء شخص في عمله

(1) - محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج2، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1391هـ/ 1971م، ص: 222، 225.

٦٢ / ١٣٠