الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٦٤وفي جهاده إلى آخر يوم في حياته دليل على الارتباط الوثيق بالمؤسّسة، التي ينتمي إليها. فلولا وفاء الشّيخ الطّرابلسي وإخلاصه وتمسّكه الشّديد بالجمعيّة لما تفرّغ لنشر دعوة جمعيّة العلماء في المحافل والمساجد، إلى أن توفّاه الله سنة 1948م. ولما سُمِح له بإلقاء دروسه بنادي التّرقّي (منتدى الجمعيّة)، كما حدّثني بعض من كان يحضر هذه الدّروس.
أَيَتَعَذّر على الإمام الشّيخ إبراهيم بيّوض مغادرة مسقط رأسه (القرارة) لظروف خاصّة، ويَطلُب إعفاءَه من المجلس الإداري للجمعيّة – و ليس من الجمعيّة - أتُفرض عليه الإقامة الجبريّة في مسقط رأسه، ويتعذّر عليه حضورُ جلسات الجمعيّة .. فيعتبر أستاذنا الزّاهري صنعه هذا انسحابًا .. ؟! مع أنّه لم يتوقّف عن عمله الإصلاحي ومناصرته ومعاضدته الجمعيّة .. فقد كان يلقي دروسه في المسجد العامر بالقرارة، وفي معهد الحياة .. وهو في حالة مراقبة شديدة، من الاستعمار ..
ثمّ لوجوده في مسقط رأسه يناضل في جبهات ثلاث: ضدّ الفساد والاستعمار والجمود الفكري .. زيادة على التّربيّة والتّعليم، فإنّه لم يستطع مفارقة بلدته، ولو لمدّة قصيرة. لأنّ مغادرته المدينة يفسح المجال لهذه القوى كي تبيض وتفرّخ؛ حين يخلو لها الجوّ فتضرب ضرباتها.
ألا يعدّ بقاؤه في الجنوب وتفرّغه لهذا العمل الشّاق استكمالاً لرسالة جمعيّة العلماء؟! فهو بهذا الاعتبار ليس انسحابًا، إنّما هو انضمام إلى الجمعيّة، والتفاف حولها، إذا فهمنا معنى الانضمام أنّه التّعاون والتّآزر في سبيل تحقيق الأهداف المسطّرة.
إذا كان الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان قد قدّم استقالته من إدارة الجمعيّة؛ لظروف قاهرة ولأعذار معقولة، فإنّ ذلك لا يحملنا على اعتباره منسحبًا من الجمعيّة، متخلّيًا عنها. يقول الأستاذ بوصفصاف: " … قدّم الشّيخ أبو اليقظان مدير المطبعة العربيّة بالجزائراستقالته من اللّجنة المركزيّة للعلماء متذرّعًا بأنّ قيامه بمثل هذه النّشاطات قد شغله عن مهامّه الأساسيّة الأخرى. والحقّ، إنّ أبا اليقظان بناء على أحد التّقارير السّريّة قد تخلَّى عن عضويّته من اللّجنة المركزيّة للعلماء بقصد التّهرّب من شكوك الإدارة الفرنسيّة .. "(1)
(1) - عبد الكريم بوصفصاف، جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين … ، ص: 214.