الميزابيون والبناء الحضاري
الجزء ١ · صفحة ٨٣قال لي ولدي بعد هذا الحديث الطّويل: دعنا من هذا كلّه، فقد فهمت حقيقة ما يحدث في غرداية، ووعيت طبيعتها، وأدركت أسبابها وأبعادها، واقتنعت بأنّ نهاية الظّلم وشيكة، وأنّ عاقبة الطّغاة الجناة البغاة وخيمة، بارك الله فيكم .. قل لي ما العمل مع هذه المأساة؟؟ سؤال مهمّ بُنَيّ، هو بيت القصيد، ومربط الفرس، ولبّ التّفكير السّليم، وأسّ العمل المفيد المثمر المنتج.
إنّ العاقل هو من يعتبر بالأحداث، ويخرج منها ظافراً بما يعينه على تجاوز أخطائه، وإقالة عثراته، وتصحيح مسيرته، وتنظيم شؤونه، ومن يجتهد في البحث عن الأسباب التي تساعده على بناء نفسه، وتشييد بنيان مجتمعه على أسس صحيحة. إنّ الكيّس هو من يثبت في الميدان، معتزًا بشخصيّته، متمسّكًا بمبادئه، مستمسكًا بغرز إخوانه، متحصّنًا بقواعد البناء الحضاري للحياة السّويّة، ملتفًّا حول مؤسّساته وهياكله وهيئاته التي ركّزت فيه عقيدتَه، وسَقَتْهُ بفكر نيّر، ولقّنته أصول العمل الجماعي، الذي يَقيهِ كثيرًا من شرور من أراد استئصال هذه الدّعامة المحوريّة في حياته؛ ليقضيَ عليه وعلى وجوده ..
عليك بنيّ بالصّمود أمام كلّ مؤامرة تستهدفك في أّيّ مجال من مجال حياتك، وتمسّ شخصيّتك، فإنّ صاحب المبادئ الثّابتة، وصاحب القواعد الرّاسخة في العمل، وصاحب الإرادة الصّلبة في تحدّي كلّ المخاطر .. ينتصر على الباغي والحسود والحقود والمتآمر … مهما يُظهر من بأس وبطش، ومهما يملك من قوّة ووسائل، وسند ومدد وعدد، ومهما يَطُل أمد طغيانه، ويمتدّ حبل سلطانه .. فالحسد ينخر صاحبه من داخله، والحقد يصيبه في مفاصله، والمؤامرات تأتي على كلّ طاقاته، والغشّ والخداع والغدر والخيانة … تبدأ بصاحبها فتنقلب عليه ..
فالثّباتَ الثّباتَ في الميدان، والتّمسّكَ التّمسّكَ بالمبادئ، والتّعلّقَ التّعلّقَ بأسباب النّصر الذي يأتي من عند الله الحنّان المنّان، والرّجوعَ الرُّجوعَ إلى الله: في المعتقد والسّلوك والمعاملة .. فما خاب من بالله استجار، وما ضاع من بنور الله استنار.
بُنيّ! لا تفرّط في حقوقك، ولا تتأخّر عن الدّفاع عن نفسك، وردّ كلّ عدوان مهما يكن نوعه ومصدره، حافظ على تراثك، فهو مصدر قوتّك وحياتك، وضمان وجودك. اقرأ تاريخك واستوعب ما بين طيّاته من