الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩الحروف والأدوات
329
(فقد نصب "أمثالهنّ" بلا، و "ليالي" على البيان لها. ولو رفع لجاز). ويدلك على أنّ "لا رجل" في موضع اسم مبتدأ مرفوع، قولك: لا رجل أفضلُ منك، كأنك قلت: زيد أفضل منك. ومثل ذلك: بحَسْبِك قولُ السوء، كأنك قلت: حَسْبُك قول السوء. وكأنك قلت: رجلٌ أضل منك.
وأما قول جرير:
ياصاحبي دَنا الرَّواحُ فسِيرا
لا كالعشية زائراً ومزورا (20) (فقد نصب "زائرا" و"مزورا" بإضمار فعل). فلا يكون إلا نصباً، مِنْ قِبَل أنّ العشية ليست بالزائر، وإنما أراد لا أرى كالعشية زائراً. كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلاً، فكاليوم مثل قولك: في اليوم، لأنّ الكاف ليست باسم. وفيه معنى التعجب، كما قال: تالله رجلا، سبحان الله رجلاً. وإنما أراد: تالله ما رأيت رجلا، ولكنه يترك الإظهار استغناء، لأن المخاطب يعلم أنّ هذا الموضع إنما يُضمر فيه هذا الفعل، لكثرة استعمالهم إياه. وتقول: لا كالعشية عشية ولا كزيد رجلٌ. لأن الآخِر هو الأول، ولأنّ زيدا رجلٌ، وصار "لا كزيد" كأنك قلت: لا أحد كزيد، ثم قلت رجلٌ، كما تقول: لا مالَ له قليلٌ ولا كثير، على الموضع. قال الشاعر، امرؤ القيس:
ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب (21)
كأنه قال: ولا شيء كهذا، ورَفَعَ على ما ذكرتُ لك. وإن شئت
ويْلُمّها في هَواءِ الْجَوِّ طَالِبةً
نصبته على نصبه:
فهل في مَعَدٌ فوقَ ذلك مِرْفَدا (22)