الحروف والأدوات للخليل بن أحمد الفراهيدي
الجزء ١ · صفحة ٥٨58
الحروف والأدوات
بحسب مفهوم الخليل للنحو، وهي المعالجة التي تتضمن الحروف الثمانية والعشرين، إضافة الى الغُنّة والإشمام والإدغام وما إلى ذلك من موضوعات الأصوات والتغييرات التي تطرأ على الحروف بحسب اللفظة الواردة فيها. مما يُحوج الى تحديد أكثر دقة لمخارج الحروف الرئيسة نفسها. فلا يكفي، في المعالجة النحوية، أن تذكر مُخْرَجَ الحرف، بل لا بد أن تبَيِّنَ مَدْرَجَهُ بضمن ذلك المُخرَج، وكيفية حركة اللسان والشفتين حين النطق به. وذلك كي تستطيع أن تحدّد بدقة صفات أخرى للحروف، كالجهر والهمس والشدّة والرخاوة والتكرار والانطباق والانفتاح وغير ذلك من أمور تجدها بضمن ما يسمّيه الخليل بالإدغام. أما الوصف العام للحروف الثمانية والعشرين، فمتطابق في الكتابين. ونعني بالوصف العام ما يحتاجه مؤلّف المعجم من تحديد مخرج الصوت ومدرجه كي يُتاح له أن ينظم معجه، إن شاء، تنظيما أصواتيا، يبدأ من أقصى الحلق لينتهي بالشفتين.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فليس لنا من الشواهد ما يثبت ضَلاعة سيبويه في مسألة الأصوات، خاصة أنه لم يكن يُحسن البيان، ولم يكن يُحسن إقامة أصوات الحروف حين النطق بها، فكان بعضها يُعنّيه ويكده. حتى وُصِفَ (بأنّ في لسانه حُبْسَةً) (20) وهو ما ذكره الأقدمون أنفسهم، وجعلوه من أسباب فشله في حواره مع الكسائي في المسألة الزنبورية التي سبق أن أشرنا إليها. فاذا كان سيبويه على هذه الحالة، فكيفَ سيتاح له أن يتذوّق الحروف ويعرف مخارجها ويحدّد مدارجها بضمن تلك المخارج؟! ناهيك عن الرَّوم والإشمام والإدغام والجهر والهمس وغيرها، مما لا يستطيع وصفه إلا عربي فصيح، صارت اللغة عنده سليقة وطبيعة،