السلوة في أخبار كلوة
الجزء ١ · صفحة ٢٢وقد يختص الله تعالى بألطافه الخفية من يشاء من عباده فيفيض عليه
من خزائن مواهبه، فنجده وقد اتزن عقله، وازدادت معرفته زيادة تخرج عن حد الاكتساب، ويصير بها راجحاً على ذوي التجارب والآداب، ويدل على ذلك قصة يحيى - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فيما أخبر ذلك في كتابه القديم حيث قال: وآتيناه الحكم صبيا ويستدل على كمال عقل الرجل بما يوجد منه ويصدر عنه بأمور متعددة، منها ميله الى محاسن الأخلاق، وإعراضه عن ذي طائل الأعمال، ورغبته الى صنائع المعروف، وتجنبه عما يكسب عاراً ويورث السوء وامتناعه عن الدنايا وصحبة الأرذال كما قال الشاعر في ذم صحبة
الارذال:-
من عاشر الأشراف صار مشرفاً ومن عاشر الأنذال غير مشرف أما ترى الجلد الخسيس مقبلاً بالثغر لما صار جار المصحف
وقيل لبعض الحكماء: بم يعرف الرجل عقله؟ فقال: بقلة سقوطه وكثرة اصابته، فقيل له: ان كان غائبا؟ فقال: بأحد ثلاثة أشياء إما برسوله أو بكتابه أو بهديته، لأن رسوله قائم مقام نفسه، وكتابه يصف ما نطق لسانه، وهديته عنوان همته بقدر ما يكون فيها من نقص فيحكم على
صاحبه
وقيل: ما أكبر الأشياء شهادة على عقل الرجل قيل: حسن مداراة الناس يشهد لصاحبه بتوفيق الله إياه فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: ن حُرم مداراة الناس حُرم التوفيق، ولا تكفي الدلالة على كمال عقل