إسهامات العزابة في الحركة العلمية ببلاد المغرب من خلال التأليف - أبو العباس الفرسطائي (ت 504 هـ) نموذجا - مصباح عيسى
الجزء ١ · صفحة ٥مواطنهم المتعددة من بلاد المغرب؛ ظهرت ثماره في الجانب الثقافي والفكري؛ لأنه نظام يقوم على التعليم والتعلم، وغرس السلوك الحسن بين أتباعه، فقد أدرك الإباضية «أن بقاءهم رهين بتكوين الجماعة تكوينا فكريا متكاملا، عقائديا وفقهيا بصورة لا يحتاجون معها إلى غيرهم، فانكبوا على البحث والتدوين، وأنشؤوا المدارس ومؤلوها، وبعثوا نظام المدرسة المتنقلة وأطلقوا عليها نظام الحلقة، كُلّف بتعهد الإباضية بالتعليم والتوعية أينما كانوا» (1).
وتجسدت تلك النهضة الفكرية في حلقات التعليم المنتشرة في مختلف المناطق، كما نشطت حركة التأليف، واتَّخذت أشكالا عدَّة من حيث المستوى والمنهج، حيث اهتم الإباضية بتأليف الكتب ونسخها، والعمل على نشرها وتعميمها بين الناس؛ لتكون الاستفادة، أعم، وكان من ثمار ذلك انتشار المكتبات العامرة بالمؤلفات الإباضية المغربية والمشرقية، وكانت مفتوحة ومتاحة لطلبة العلم كما ورد في كتب السير (2).
كما انبرى العلماء يتسابقون بالتأليف في شتى فنون العلوم الإسلاميَّة، وخاصة منها أصول الدين والفقه، وعرفت بلاد المغرب أيضا ظاهرة فريدة من نوعها وهي نمط التأليف الموسوعي الجماعي، إذ اشترك العلماء بتأليف موسوعتين فقهيتين:
أجزاء.
—
الأولى: تعرف باسم ديوان غار أمجماج، الذي شارك سبعة من العلماء في تأليفه، ويقع في ستة
- الثانية: عُرفت بديوان الأشياخ بوادي أريغ الذي تعاون على تأليفه عشرة من العلماء، ويقع في خمسة وعشرين جزءا (3).
ويذكر الجعبيريُّ بأنَّ كُتَّاب السير والطبقات قد اضطربت في التمييز بين ديوان العزابة، وديوان المشايخ والأشياخ، وأطلقت عليهما التسمية نفسها؛ لذا فالأحسن استعمال نسبة المكان الذي ألف فيه كل من الديوانين للتمييز بينهما: ديوان أريغ بالنسبة إلى هذا الديوان الأوَّل، وديوان غار مجماج جربة بالنسبة إلى الديوان الآخر (4).
(1) التيواجني، مهني بن عمر: أشعة من الفقه الإسلامي، ط 1، مطابع النهضة، مسقط، عمان، 1417 هـ–1996 م، ص 184. (2) الأرجيني: طبقات المشايخ، ص (445/ 2).
:
(3) ينظر: الأرجيني، طبقات المشايخ، ص (455/ 2، (529)؛ الشماخي، أبو العباس أحمد كتاب السِّير، تح محمد حسن، ط 1، دار المدار الإسلامي، بيروت، لبنان، 2009 م، ص (431/ 1)؛ النامي عمرو خليفة: دراسات عن الإباضيَّة، تر ميخائيل خوري، مر: ماهر جرار، تح: محمد صالح ناصر، مصطفي،باجو، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، 1421 هـ - 2001 م، ص 136؛ التيواجني: أشعة من الفقه الإسلامي، ص 185؛ الجعبيري، فرحات بن علي: مقارنة بين كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه لأبي زكريا الجناوني (ق 5 هـ/ 11 م) وكتاب مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي (ق (5 هـ 11 م، مقال منشور ضمن أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية، بعنوان: التأليف الموسوعي والفقه المقارن، ط: 3، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، 1433 هـ-2012 م، ص 183.
(4) الجعبيري: مقارنة بين كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه لأبي زكريا الجناوني (ق (5 هـ (11 م وكتاب مختصر الخصال لأبي إسحاق
5