الملتقى الوطني: نظام العزابة نشأته ودوره الحضاري في بلاد المغرب مجهول

إسهامات العزابة في الحركة العلمية ببلاد المغرب من خلال التأليف - أبو العباس الفرسطائي (ت 504 هـ) نموذجا - مصباح عيسى

الجزء ١ · صفحة ٤

الفرع الثاني: لمحة عن نشأة نظام حلقة العزابة

أصل نظام حلقة العزَّابة مستمد من السياسة الشرعية التي ترى وجوب تنصيب الإمام وإقامة الدولة الإسلامية؛ لتطبيق أحكام الشرع، وتنظيم شؤون الرعية، وقد تميز الإباضية يتميزون بنظرية دقيقة حول المنهج الذي ينبغي سلوكه لإقامة دين الله في المجتمع، عُرفت هذه النظرية عندهم بمسالك الدين؛ أي مراحل إقامة دين الله في المجتمع، وهي أربعة: الظهور - الدفاع الشراء - الكتمان (1).

وقد نشأ نظام حلقة العزابة في مطلع القرن الخامس الهجري في بلاد المغرب؛ فبعد سقوط الدولة الرستمية سنة 296 هـ كان الإباضية في بلاد المغرب يعيشون مستضعفين في جماعات متفرقة، في كل من جبل نفوسة بليبيا، وبلاد الجريد وجبال دمر وجزيرة جربة بالجنوب التونسي، وفي وارجلان ووادي ريغ جنوب المغرب الأوسط، وقد اختاروا مسلك الكتمان والابتعاد عن الصراعات السياسية؛ حفاظا على وجودهم واستقلاليتهم؛ واتخذوا من الرابطة المذهبية والثقافية سبيلا للتجمع، ففكروا في نظام بديل يحفظ كيانهم وتعاليم مذهبهم، وبعد مشاورات بين إباضية المغرب في كل من أريغ ووارجلان وقسطيلية وجربة ونفوسة استقر قرارهم على تأسيس نظام الحلقة على غرار مسلك أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت 145 هـ) (2) من قبلُ في البصرة، فأوكلوا المهمة إلى أبي عبد الله محمد بكر الفرسطائي النفوسي (ت 440 هـ) (3)، فاضطلع بالمهمة على أحسن وجه ووضع الأسس الأولى للنّظام، وأعلن التحول إلى مسلك الكتمان في أريغ سنة 409 هـ/1018 م، ثم عَرَفَ هذا النِّظامُ تطورات مطردة وفق ما تقتضيه الحياة وتغيراتها.

الفرع الثالث: دور نظام العزابة في بعث الحركة العلمية في بلاد المغرب (4)

هيأ نظام الحلقة ظروفا ملائمة للنَّشاط الفكري؛ إذ إن استقرار مجتمع الكتمان الذي أقامه الإباضية في

140

(1) ينظر: باجو، مصطفى بن صالح أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنا بأبي حامد الغزالي- ط:2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1428 هـ - 2007 م، ص 40؛ إتبيرن، مصطفى بن داود المصلحة المرسلة عند الإباضية بين النظرية والتطبيق من خلال اجتهادات المتأخرين، رسالة ماجستير في الفقه وأصوله مرقونة، كلية أصول الدين، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة - الجزائر، نوقشت وأجيزت سنة 2004 م، ص أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، بالولاء، مولى لعروة بن أدية، وهو الإمام الثَّاني من أيمة الإباضيَّة، كان له الفضل في نشر المذهب الإباضي في البصرة وخارجها، وتخرّج على يديه تلامذة كثيرون من أمثال: الربيع بن حبيب، ومحبوب بن الرّحيل، توفّي سنة 145 هـ تقريبا، ومن آثاره: "مسائل أبي عبيدة"، و"كتاب الزكاة" تنظر ترجمته في: ناصر، محمد صالح، والشيباني، سلطان بن مبارك: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1427 هـ - 2006 م، ترجمة رقم: 1363، ص 445.

(2)

هو

(3) هو أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي، أحد أقطاب الإِبَاضِيَّة في المغرب، ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين، تميّز أبو عبد الله بتأسيسه لنظام حلقة العزَّابة، وكانت له حلقة علم متنقلة، توفي سنة: (440 هـ/ 1049 م). تنظر ترجمته في: مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ترجمة رقم: 803، ص (368/ 2).

(4)

ينظر تفصيل دور العزابة في الحياة الثقافية والتربوية في اسماوي صالح بن عمر: العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب، ط:1، مطبعة الفنون الجميلة، الجزائر، 1429 - 2008 م، ص (878/ 2 - 940).

4