إسهامات العزابة في الحركة العلمية ببلاد المغرب من خلال التأليف - أبو العباس الفرسطائي (ت 504 هـ) نموذجا - مصباح عيسى
الجزء ١ · صفحة ٧الطابع» (1).
ويمكن من خلال أحداث حياته تقدير أنه عاش ما بين (420 - 504 هـ)؛ استنادا إلى ما ذكره المؤرخون (2) من أنه درس على يد والده أبي عبد الله المتوفى سنة 440 هـ، وأنه سافر في أول شبابه للدراسة عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (3).
الفرع الثاني: حياته العلمية، ورحلاته، وشيوخه
نشأ أبو العباس وترعرع في أحضان أسرة شريفة اشتهرت بالعلم والورع والزهد؛ فوالده أبو عبد الله محمد بن بكر يعد أحد أشهر أعلام الإباضية في القرن 5 هـ اشتهر بالترحال بين ربوع بلاد المغرب داعيا إلى الله وناشرا للعلم، وهو واضع نظام حلقة العزابة، كما أنَّ أخاه الأكبر أبو يعقوب يوسف بن محمد كان من أهل العلم والفقه؛ ولا شك أنّ أي فرد يعيش في أسرة هذا شأنها سيتأثر بمن حوله، وسيُسهم ذلك في بناء شخصيته العلمية؛ فقد استلهم أبو العباس من أبيه حب الارتحال في سبيل طلب العلم، فكانت له رحلات عديدة بين مواطن الإباضية في المغرب طلبا للعلم، بين أريغ، وتملوست، وجربة، ونفوسة.
ويبدو أنّه قد وجد في مساندة أهله وتحفيزهم له دافعا للتَّفرُّغ لطلب العلم منذ الصغر، وتحمل مشاق الارتحال في سبيل طلبه؛ فقد مرت به ظروف عصيبة جعلته يتحمل شظف العيش بعيدا عن الأهل والأقارب، إضافة إلى ما عرفه عصره من فتن وقلاقل طبعت الحياة بالخوف والتوجس» (4).
ولقد هيَّأ الله له التتلمذ على شيوخ أجلاء أفذاذ اشتهروا بعلمهم وفضلهم، فنهل من علومهم، واقتبس من معارفهم، حيث تلقى مبادى العلوم على يد والده أبي عبد الله، ثم تذكر المصادر أنَّه قضى فترة شبابه في "تملوست" بالجنوب التونسي، حيث كان يطلب العلم على يد الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، ولازمه مدة طويلة، وهنالك جاءه خبر وفاة والده سنة 440 هـ.
ويعد أبو الرّبيع أحد أسباب شغف أبي العباس بطلب العلم والإقبال عليه؛ إذ لمس منه الحرص الشديد على طلب العلم، والذكاء الحاد، والحافظة القوية؛ ما جعله يتفرّس فيه علامات النبوغ والفطانة، والمستقبل الزاهر في مجال خدمة الدين والمذهب؛ فقد روى الوسياني أنَّ أبا العباس رأى فرجة في مجلس شيخه أبي الربيع فجاء
(1) بكير بن محمد الشيخ بالحاج محمد صالح ناصر: قسم الدراسة من تحقيق كتاب القسمة وأصول الأرضين، ط 2، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1418 هـ -1997 م، ص 24.
(2) ينظر: الوسياني: سير الوسياني، ص (368/ 1)؛ الأرجيني: طبقات المشايخ، ص (444/ 2)؛ الشَّماخي: كتاب السّير،
(3)
هو
:
، ص (424/ 1).
أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النّفطي القابسي، الفقيه والأصولي الإباضي، تلقى العلم بنفوسة وجربة، توفي سنة 471 هـ، وترك مصنفات نفيسة منها: "السؤالات"، "التّحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية"، وغيرها. تنظر ترجمته في مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ترجمة رقم: 472، ص (2/ 215).
(4) بكير بن محمد الشيخ بالحاج محمد صالح ناصر: قسم الدراسة من تحقيق كتاب القسمة وأصول الأرضين، ط: 2، ص 39.
7